تطاير التحذيرات من وراء جانبي الحدود، بين غزة ومصر، عند معبر رفح؛ يدعو إلى القلق. لغته غير معهودة. نبرته حادة ومأزومة. وعلنيته غير مسبوقة. تراشق يشير إلى وجود خلل متفاقم. الخطير فيه أنه، على ما بدا، مفتوح على المزيد من التصعيد؛ إذا بقي يتفاعل من دون تطويق وبلا معالجة سريعة وحاسمة لمسبباته.
الأخطر، أن هذا التراشق يحصل في لحظة دقيقة وحرجة، لا تحتمل التوتير في العلاقات بين الجانبين. بطبيعته، يتنافى مع المصالح المشتركة والحيوية، التي تجمع بينهما. بصرف النظر عن مدى جدارة هذا الموقف أو ذاك. أصلاً، وصول الأمور إلى هذه النقطة، الحبلى بعوامل التفجير، كان ينبغي أن يكون من الممنوعات. حدوثه، تطور ينذر بأزمة؛ ليس من مصلحة أحد اندلاعها.
غزة لديها كفاية من الهموم والمتاعب، في ضوء الحصار الجائر والخانق، الذي تفرضه عليها إسرائيل. وبالتأكيد مثل هكذا أزمة هي آخر ما تحتاجه مصر؛ في الظرف الراهن. بل في كل الظروف.
الاحتدام في الخطاب المتبادل، كانت شرارته في ما تردد على لسان مسؤولين، في «حماس» و«الجهاد»، حول احتمال اللجوء إلى اقتحامات بشرية فلسطينية، للحدود المصرية.
الفصيل الأول حذّر من «انفجار وشيك وغير مسبوق»؛ إذا استمر الحصار، مطالباً مصر بفتح معبر رفح. الثاني نسب إليه قوله ان «الانفجار المقبل سيكون في اتجاه مصر». كلام استثار ردوداً مصرية، من النوع التحذيري الصريح.
بل انه استخدم لغة التوعد والوعيد في «حدوث ما لا تحمد عقباه»؛ إذا حصل مثل هذا الاقتحام، مع التذكير بأن ما جرى في يناير الماضي ـ في إشارة إلى اقتحام المعبر يومذاك ـ ، «لن يسمح بتكراره».
كلام خرج، من الجانبين، عن جاري العادة. وهو يؤشر إلى تراكم غيوم ملبّدة في أفق العلاقة بين الجارين الشقيقين.
الذي لا جدال فيه أن غزة اكتوت بنار الحصار، المرفق ومنذ أشهر، بهجمة عدوانية إسرائيلية، شرسة. الكلفة كانت من العيار الثقيل. بالأرواح كما بالمعاناة. مليون ونصف فلسطيني، حصروا في الزاوية.
انقطعت عنهم حاجياتهم المعيشية والحياتية، الأساسية. معاقبة جماعية ظالمة، لم توفر أحداً منهم. حالة ضاغطة، لا تطاق. وبالتالي، فإن تحرك القطاع باتجاه كسر الحصار، أمر مفهوم وطبيعي.
السؤال، يبقى في كيفية الفكاك من قبضة هذا الحصار. وهنا يبرز الواقع ومعطياته، التي لا بدّ من التعامل معها بما يحقق المطلوب من دون أن يؤدي إلى خلق متاعب اضافية.تجربة يناير الماضي، في هذا الخصوص، تفيد بأن أية عملية ناجحة ضدّ الحصار هذا، لا بدّ من التنسيق فيها مع مصر. أو في أقله، اجتناب ما يمكن أن يؤدي إلى سوءالتفاهم والتأزيم معها. إذا لم يكن لشيء، فلأن المستفيد الوحيد في مثل هذه الحال، لا يكون غير إسرائيل. ولا يحتاج ذلك إلى تحليل أو برهان.
بالنهاية، كما بالأصل، مصر كانت وتبقى، بحكم الجغرافيا والأخوة، رئة غزة ومتنفسها. كما يبقى القطاع، نقطة التخوم الأقرب والأولى، لالتزام مصر بالقضية الفلسطينية. علاقة لا غنى عنها. وهي لا تقبل الانفصام؛ ولا مثل التأزم الحاصل، المؤذي للجانبين.
