قبل خمس سنوات سقطت بغداد، ليقف الرئيس جورج بوش فوق حاملة الطائرات أبراهام لنكولن معلنا انتهاء العمليات القتالية الرئيسية وبدء عمليات إعادة الإعمار، وبعد خمس سنوات ذرف دموعا حارة على جندي مارينز سقط في الرمادي.
قبل خمس سنوات ابتهج كثير من العراقيين بسقوط صدام حسين، واليوم يتمنى هؤلاء الذين فرحوا لسقوطه، لو أن الزمن عاد القهقري وعادت أيام صدام، لأنهم اكتشفوا أن كل مبررات الغزو ووعود التحرير كانت سرابا، فالعراق أصبح مرتعا للجريمة والفساد والقتل والتهجير، وأصبح القتل يوميا والجثث تنتشر في الشوارع والهوية صارت تهمة، أما الميليشيات فأصبحت تملك السلطة التي فقدتها الحكومة المركزية القابعة في المنطقة الخضراء.
في سنوات الغزو الأولى ظل الرئيس بوش يكرر قوله إن العالم صار أكثر أمنا بدون صدام، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فالقاعدة وسعت وجودها في العراق دون أن تفقد نفوذها في أفغانستان، حتى أنها نجحت في استقطاب عناصر جديدة واستطاعت أن تضرب في أوروبا وتوسع هجماتها في آسيا وإفريقيا، ومع ذلك أصر الرئيس بوش على أن العالم صار أكثر أمنا بغزو العراق وإسقاط صدام.
أما فاتورة الحرب فلها وجه آخر، العراقيون يسقطون قتلى بمئات الآلاف وعداد القتلى الأمريكيين لم يتوقف، ليصل الأمر إلى اطفاء بصيص الأمل الذي رآه الأمريكيون فجأة ببدء أولى خطوات الانسحاب، حيث فاجأهم قائد قواتهم في العراق الجنرال ديفيد بترايوس قبل يومين بضرورة تجميد هذا الانسحاب، وهذا لايعني سوى أن آلة الحرب لن تتوقف قريبا، أما الكلفة الاقتصادية التي قُدِّرت بخمسين مليار دولار، وفق حسابات وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، فقد تضخمت لمئات المليارات ووضعت عبئا ثقيلا على الاقتصاد الأمريكي المتباطئ.
هذه الأوضاع جعلت واشنطن شبه مشلولة في تحريك الملف السياسي داخل العراق، فهي فقدت حتى التأثير على حلفائها الذين وعدوها بحسن حكم العراق إن هي خلصتهم من صدام، لكن النتيجة هي اندلاع خلافات حزبية وطائفية وعرقية لا حصر لها، ليصل الأمر بالسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر أن يشتكي من أن رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي لم ينسق جيدا مع الأمريكيين في عملية "صولة الفرسان" بالبصرة لمواجهة "جيش المهدي".
الأوضاع منفلتة تماما في العراق، فالهجمات المسلحة لم تتوقف، والجنود الأمريكيون يسقطون وبوش يصر على صواب قراراته التي أوصلت العراق إلى هذا الوضع الكارثي، بل إنه يحاول تكرار الأمر ذاته مع إيران وبالذريعة نفسها، "الملف النووي"، لكنه في عامه الأخير في البيت الأبيض، ومهما كان انتماء خلفه فالتركة ثقيلة سواء على الوضع المحلي والاقتصادي أو الوضع الدولي.
خمس سنوات ظهرت فيها أمريكا في صورة قبيحة بسبب فضائح جرائم جنودها في العراق، وفقدانها الصورة التي تمتعت بها منذ الحرب العالمية الثانية التي اكسبتها إعجاب شعوب كثيرة.
في هذه السنوات الخمس كان بإمكان الرئيس بوش أن يستثمر النفوذ الجديد الذي حصلت عليه أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ليحل أزمة الشرق الأوسط، خاصة بعد تقدم العرب بمبادرة سلام جادة فيها تنازلات تسهل الوصول لحل نهائي، لكنه ضيع تلك الفرصة وانشغل في مغامرة خاسرة بالعراق، مغامرة جعلته يبكي مقتل أحد جنوده بعد خمس سنوات من إعلانه انتهاء العمليات الرئيسية
