لا يخفى على أحد الإحباط الذي ينتاب عدداً كبيراً من المتقاعدين المواطنين بعد تجريدهم من جميع صلاحياتهم التي كانوا يمارسونها في عملهم، وهو شعور طبيعي يأتي نتيجة الفراغ، بعد أن كان وقت الواحد منهم مشغولاً بأعمال يجد نتائجها في المجتمع الذي ينتمي إليه.

وهذا الشعور إن لم نكن مبالغين يبدو بارزاً في الدول العربية أكثر من غيرها، إذ أن الدول المتقدمة كدول أوروبا وأميركا تنجو بالمتقاعدين فيها من خلال الاستفادة من طاقتهم وخبراتهم في المجالات التي عملوا فيها، وذلك عن طريق تحويلهم إلى ناشطين اجتماعيين في مختلف المؤسسات، كقائمة «المحلّفين» التي تضم عدداً من المتقاعدين الذين يستفاد من خبراتهم ونضجهم في قيادة هذه المؤسسات وتوجيهها.

وهو ما يفسر وجود عدد كبير من المتقاعدين في مجالس الإدارات الأجنبية التي تدير مؤسسات وشركات أكاديمية واقتصادية واجتماعية التي نلتقي بها في الدولة للاطلاع على تجاربها وخبراتها ولعقد شراكات استراتيجية معها، وهو الأمر الذي يجعلنا نشعر بأن هؤلاء المتقاعدين يقومون بدور أكبر من شغل فراغهم، فبعضهم بصورة أو أخرى أصبح سفيراً وممثلاً لدولته، وإن لم يكن من حاملي جوازات السفر الدبلوماسية، إذ يكفي الدور الذي يقومون به والذي يصدر من خلاله خبرات دولته النوعية.

قد يعتقد بعضهم اننا نطالب بتوظيف المتقاعدين، وهو ما قد يؤدي إلى مزاحمة العاطلين الباحثين عن فرص عمل، لكننا رغم تأييدنا لتوظيف عدد من المتقاعدين وصرف رواتب، خاصة لمحدودي الدخل منهم، إلا أننا في هذه الزاوية بصدد الحديث عن المتقاعدين الميسورين، الذين يرغبون في ممارسة أي عمل تطوعي يفيدون منه الدولة ومؤسساتها والعاملين في مجالات كانوا يعملون فيها في السابق، كأن يكونوا أعضاء في مجالس إدارة، أو في مؤسسات اجتماعية وتربوية أصبحت بحاجة ماسة للاستفادة من خبراتهم بدل الاعتماد على خبراء يتم الاستعانة بهم من الخارج، رغم إيماننا بأن خبراتهم وكفاءاتهم لا تزيد بشيء عن خبرات وكفاءات الموارد الوطنية.

ثقافة التطوع غائبة بشكل كبير بين الشرائح الاجتماعية، وينبغي تفعيلها لاسيما بين فئات المتقاعدين للاستفادة من خبراتهم، وللحفاظ على سلامتهم النفسية والصحية التي تبقى عرضة للخطر متى ما أسلمناهم للفراغ وقلة المسؤوليات، في وقت أصبح الكل فيه مشغولاً بأعمال كثيرة تتطلبها التنمية الكبيرة التي تشهدها الدولة، والتي تحتم على المتقاعدين الباقين بدون أعمال أو صلاحيات في عزلة اجتماعية لانشغال الجميع عنهم.

دولة الإمارات أجرت منذ فترة قصيرة تعديلات على قانون التقاعد، ورفعت سن التقاعد في الدولة، بعد أن خسرت عدداً كبيراً من المواطنين أحالوا أنفسهم للتقاعد المبكر، وهو ما يعد خسارة كبيرة للدولة، في الوقت الذي تقوم به بالاستعانة بغيرهم من الوافدين لسد شواغرهم، لذا فإننا ومن منطلق إدراكنا لوجود عدد كبير من الشباب المتقاعدين من أصحاب الخبرة والكفاءة، فإننا نطالب بتفعيل أدوارهم وإعادة الأهمية لهم من خلال إدراج أسمائهم في مختلف المؤسسات الحديثة التي تعتمد على قيادات شابة لا غنى لها عن خبرة وحكمة متقاعدين، بذلوا عمراً في عملهم وحققوا انجازات لا يمكن إغفالها أو تجاهلها.

لا نطالب بالكثير لهؤلاء المتقاعدين، فالعمل التطوعي سمة للمجتمعات المتقدمة والمتحضرة التي تثبت انها حريصة على التنمية والاستثمار في كوادرها البشرية حتى آخر رمق، هذا ما نأمله وما نرجو أن يتحقق لنقطف ثمار خبرات أبناء الوطن.

maysaghadeer@yahoo.com