جاء المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية 31 مارس - 2 أبريل 2008 ليثير العديد من القضايا الإشكالية والحرجة في الوقت نفسه.

فالحديث عن الخليج العربي الآن يعتبر قضية شائكة في ظل التغيرات الهائلة التي شهدتها تلك البقعة الجغرافية من العالم، منذ ظهور النفط وتحوله لسلعة إستراتيجية مرورا بالحروب المختلفة التي شهدتها المنطقة منذ الثمانينيات وحتى الآن وصولا إلى خلل التركيبة السكانية غير المسبوق وانعكاساته الشاملة على بنية المجتمعات الخليجية في الحاضر والمستقبل على السواء.

وبدرجة أو بأخرى يمكن القول إن مناقشة القضايا الإشكالية والحرجة، مهما كانت حجم النتائج والتبعات الناجمة عنها، أفضل بكثير من وضع الرؤوس في الرمال والتغاضي عن الأخطار المحدقة بالمنطقة. لكن الأهم هنا أن يتم ذلك التناول والنقاش على أسس واعية ومدركة لحقيقة التحولات المختلفة التي تواجهها المنطقة، والتلمس العميق لطبيعة إعادة تشكل البنيات الاجتماعية في دول الخليج.

وربما كانت هذه هي إحدى أبرز نقاط الضعف المرتبطة بالمؤتمر، رغم أهمية عقده وضرورة التنويه بجهود القائمين عليه من أجل إنجاحه، واستقطاب النخب الخليجية والعربية المثقفة لعرض وتناول القضايا المختلفة ذات الصلة بالمؤتمر. وبدون الدخول في مناقشة أوراق المؤتمر بشكل تقليدي ومدرسي يمكن الوقوف على أهم القضايا المختلفة التالية التي أثارتها الأوراق ودشنها المؤتمر:

1- رغم أن جلسات المؤتمر قد دارت بشكل أساسي حول التغيرات السياسية والاقتصادية والتحديات التي تواجه منطقة الخليج، فقد غاب البعد الاجتماعي الذي يتعلق بالقاعدة المجتمعية الخليجية العريضة.

وهو الأمر الذي صبغ معظم أوراق المؤتمر بالرؤى التحليلية الكبرى (الماكرو)، بينما أُغفلت تماما تلك القضايا المتعلقة بالحياة اليومية وتأثيراتها المختلفة على المواطنين وبنية القيم الخاصة بهم، وهي التحليلات الصغرى (المايكرو). ويمكن القول هنا إن تلك النوعية من التحليلات هي الأصعب في الإمساك بها والوقوف على الجوانب المختلفة المرتبطة بها.

ورغم أن عنوان المؤتمر يتعلق بالخليج بين المحافظة والتغيير، فلم نسمع أي مناقشة للتغيرات التي تتعلق ببنية القيم المجتمعية في الخليج في أي من الأوراق المقدمة. ورغم الصخب المرتبط بدرجة أو بأخرى بالتحليلات السياسية، وجرأة الأطروحات المرتبطة بها، فإن الوقوف عند المستويات التحليلية الكبرى يفقد هذه النوعية من البحوث الكثير من التأصيل والعمق المجتمعيين، ناهيك عن التأصيل النظري والمنهجي.

وربما ظهر ذلك واضحا في تلك النوعية من الأوراق التي قدمت أطروحات بالغة المثالية لا تتعلق بالواقع الاجتماعي الخليجي الحقيقي، الأمر الذي جعل هذه الأطروحات أقرب لليوتوبيات المنشودة منها إلى البحث العلمي الحقيقي الرصين.

ورغم صدق نوايا هذه النوعية من الأطروحات إلا أنها تلعب أدواراً خطيرة في القفز على الواقع من ناحية وحرق المراحل من ناحية أخرى. فالأطروحات البالغة المثالية التي تحدثت عن تطوير التعليم وتلك التي تحدثت عن تعميق المواطنة بدت أقرب للدفقات الشعورية بدون تلمس حقيقي للبنيات المجتمعية المعيشة.

وربما يحتاج العالم العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص إلى رؤى جديدة تسترشد بالواقع وتعيه أكثر من تلك الرؤى التي تدغدغ مشاعر النخب المثقفة وتريح أعصاب المستمعين. لا يعني ذلك أن ترتبط الرؤى بالواقع وتتشبث به بقدر ما يعني أن تكون هذه الرؤى من رحم الواقع ومخاضه الحقيقي، وليست حملا كاذبا.

2- بعد مرور عقود طويلة على مسيرة النمو في الخليج فإن هناك إجماعا شبه كامل بين الأوراق المقدمة في المؤتمر على الفجوة الحادثة بين التطور الاقتصادي وبين التطور السياسي في الخليج. ورغم أن هذا الطرح يمثل بديهية شبه مقبولة في العلوم السياسية والاجتماعية فإن الكثيرين قد تعاملوا مع هذا الواقع بغرابة واندهاش. فالجوانب الاقتصادية أكثر تأثيرا بحيث تسبق تماما الجوانب الفكرية والسياسية وربما الاجتماعية أيضا.

ورغم تأسيس التحليل الماركسي على أسبقية العوامل الاقتصادية في تغير المجتمعات الإنسانية فإنه قد أكد على أن التغير في البنى الفكرية والأيديولوجية قد يستمر حتى بعد تغير هذه العوامل الاقتصادية المختلفة وعلاقات الإنتاج المرتبطة بها، وهو الأمر الذي غاب تماما عن معظم التحليلات التي قدمت في المؤتمر.

فمع تحول علاقات الإنتاج الخليجية القديمة وظهور النفط ظهرت سلوكيات جديدة على مستوى الاقتصاد والاستهلاك، ورغم ذلك فلم تنفي تلك السلوكيات العلاقات الاجتماعية القديمة التي ظلت موجودة في العمق الاجتماعي والممارسات التقليدية الراسخة رغم اختلاطها بأطر وعلاقات جديدة. ولعل ذلك ما جعل أحد الحضور يؤكد على عدم الاستغراق في الحديث عن الاستثناء الكويتي «الديمقراطي».

مؤكدا على ارتباط البنيات الاجتماعية الكويتية الفعلية ببنى تقليدية غير متطورة وغير ديمقراطية، مثل العلاقات داخل الأسرة، أو الموقف من المرأة، أو الموقف من الأقليات الاجتماعية. وبدرجة أو بأخرى يصعب القبول بوجود بنى تقليدية صافية أو بنى حداثية نقية في الخليج العربي المعاصر، بقدر ما يمكن الحديث عن توليفات جديدة تجمع بين هذا وذاك بدرجة أو بأخرى من التركيب والتشكيل.

وهنا تبرز أهمية التحليلات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تبرز الكيفية التي تشكلت بها البني الاجتماعية الخليجية الجديدة وأثر ذلك على بنية القيم ورؤى العالم، بحيث لا تنطوي هذه التحليلات على رؤى وإسقاطات مسبقة من جانب النخب المثقفة بقدر ما تعبر عن حقيقة الواقع الاجتماعي وطبيعة القوى والشرائح الاجتماعية المختلفة المشكلة له.

3- إن غياب الوقوف على طبيعة البنى الاجتماعية والتحولات الخاصة بها، أدى بمعظم الأوراق إلى الحديث عن الخليج بشكل أسطوري كلي، بحيث بدا الخليج مؤطرا بتوجه سياسي بين الحاكم والمحكوم أو بين الراعي والرعية. وهذه الصورة بالغة التبسيط للمجتمعات الخليجية يفرضها المثقف النخبوي على واقعه بوعي أو بدون وعي. فالخليج شعوب وقبائل وتوجهات ومشاعر ونجاحات وإخفاقات وتقليد وحداثة مثله في ذلك مثل غيره من الشعوب الأخرى العربية أو غير العربية.

كما أن الخليج ينطوي على شرائح اجتماعية مختلفة عليا ووسطى ودنيا، كما أنه يحفل بمظاهر وتجليات جديدة لتأثيرات المرأة على الساحة الخليجية، وفوق كل ذلك يواجه ذلك الكم الضخم من الوافدين متعددي المشارب والتوجهات والقيم.

إن وضع المجتمعات الخليجية في هذا الإطار مفيد بالنظر لثلاث مسائل بالغة الأهمية. يتعلق أولها بعدم إلصاق أية صور مسبقة مثالية على هذا الواقع وإكسابه مذاقا مجاوزا للآخرين، ويتعلق ثانيها بالقضاء على أية مشاعر شوفينية قد تستملك البعض من النخب المثقفة أو المواطن العادي، ويتعلق ثالثهما بالقدرة على التشريح الاجتماعي للمجتمعات الخليجية والوقوف عند حقيقة القوى والشرائح الاجتماعية المختلفة التي يمكن التعويل عليها حاليا ومستقبليا في تحقيق التغير والتنمية البشرية الحقيقية.

فمن اللافت للنظر أن التحليلات السياسية والاقتصادية المقدمة للمؤتمر قد تعاملت مع المجتمعات الخليجية ككتلة واحدة بدون أية تحليلات بنيوية تقف عند القوى الاجتماعية المختلفة. فلم نجد مثلا عند الحديث عن التعليم أية أطروحات تتعلق بطبيعة الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية، كما لم نجد حديثا حقيقيا ومتعمقا لواقع المرأة المتعلمة ناهيك عن المرأة العاملة.

كما أن الحديث عن عقد اجتماعي خليجي جديد بين الدولة وبين المواطنين لم يحدد القوى الاجتماعية المؤهلة للتوقيع على هذا العقد كطرف ثاني أمام الدولة. وهو الأمر الذي وجدناه أيضا عند الحديث عن المواطنة حيث تم تقديم الدولة في شكلها النقي المثالي المحايد، وهو حديث يتجاهل كون الدولة في نشأتها وتوجهاتها الحقيقية، مهما ادعت الحيادية، تعبير عن مصالح معينة وتوجهات أيديولوجية محددة. وحتى حينما تم تقديم الدولة بشكلها المحايد، لم يتم تحديد طبيعة القوى الاجتماعية المختلفة التي يجب أن تكون الدولة محايدة تجاهها.

4- كشفت الأوراق التي تعرضت للعولمة والخليج حجم التركيز الكبير على الجوانب الاقتصادية والسياسية أيضا. فلم تتعرض تلك الأوراق لقيم الاستهلاك المنتشرة في المجتمعات الخليجية وانعكاس ذلك على قيم العمل. فحمى الاستهلاك الهائلة في المجتمعات الخليجية قد أدت لضعف قيم العمل في الخليج، وهى مسألة لا تتعلق بأية تنميطات مسبقة قد تثير لدى البعض مشاعر شوفينية ضيقة، بقدر ما تتعلق بذلك السلوك المتواصل القائم على الاستهلاك والدعة والراحة.

وهي مسألة تحتاج للعديد من الدراسات الاجتماعية العميقة، وتكامل الأجهزة المجتمعية المختلفة من أجل إعادة تكريس قيم العمل في المجتمعات الخليجية. فلا يمكن الحديث عن ارتفاع نسب البطالة في المجتمعات الخليجية بدون الحديث عن واقع الاستهلاك والرغبة في الكسب السريع.

5- أخيرا يحمد لمركز الإمارات تلك الجرأة غير المسبوقة في تكريس جلسة خاصة تتعلق بدور كل من العلمنة والدين في تحقيق الحداثة الخليجية. فالواقع الخليجي ما زال بعيدا عن تناول تلك القضايا الساخنة التي تثير الكثير من المشكلات وتفتح شهية الجماعات المحافظة للانتقاد والاتهام. لقد كشفت تلك الجلسة عن حجم الانقسام الحاد الموجود في الواقع العربي ككل تجاه هذه المسألة، فمازلنا نردد مقولات نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من حيث القبول بالحداثة أو العمل بالأصالة، التحول نحو الغرب والحداثة أو الارتباط بالشرق والدين.

ولا يختلف المثقف الخليجي في هذا السياق عن غيره من المثقفين العرب من حيث الاضطراب في الموقف بين هذا وذاك، بل إن اللافت للنظر أن معظم المتحدثين والمناقشين قد آثروا الجمع بين الاثنين العلمنة والدين، ولم يروا أي تعارض فيما بينهما. وعلى حد قول أحد المتحدثين فإن الموضوع ليس له علاقة بالعلمانية أو الدين، المهم تطبيق المواطنة والمشاركة، فلا مناخ حقيقي بدون مواطنة وعقد اجتماعي.

أثار مؤتمر الخليج بين المحافظة والتغيير الكثير من التساؤلات الهامة والحرجة، ولم يشف غليلنا في الإجابة عن هذه التساؤلات. ورغم ذلك فإن جرأة الطرح والتساؤل ربما تكون هي البداية التي سوف تثير شهية الكثيرين للتعليق والتحليل والفهم المتعمق، وربما الإجابة!!

salehabdelazim@hotmail.com