في المناسبة العالمية ليوم محو الأمية نجد أنفسنا في العالم العربي نقف أمام ظاهرة خطيرة، وهي نسبة الأميين في العالم العربي التي تقدرها التقارير بين سبعين مليوناً إلى مئة مليون، إلى جانب الأعداد الخفية من التي غادرت الحياة الفعلية مما يجعل نسبة الأمية في تزايد قد يصل إلى مستويات مخيفة لا يخفى أثرها الخطير على حركة التنمية البشرية والاقتصادية والثقافية، ولا شك أنّ هذا الأثر سيصيب مشاريع التطوير في مقتل، وسيقف سداً منيعاً أمام التوجهات الطموحة للمخلصين من أبناء العروبة الذين يحلمون بمستقبل واعد للأجيال القادمة.

إن من المبادئ الرئيسية لتقدم أي دولة في العالم محاربةَ الأمية ومكافحة تسرب الأطفال في سن التعليم الإلزامي، ومنع لجوء الأطفال في هذه السن الحيوية إلى العمل لجلب وسائل العيش لذويهم أو السعي وراء عوامل الانحراف الذي يشيع بين هذه الفئة الأمية في سن تجتمع فيه الأمية مع ما تحيل إليه من جهل وسوء التربية إلى الانحراف الخلقي، وهو آفة تتجاوز حرمان الطفل الأمي أو الشاب الأمي من حقه في التعليم والتنمية الفكرية والثقافية والروحية والأخلاقية؛ فهي تشكل بؤراً للانحراف والجريمة والفساد الخلقي الذي يمثل مصدرا من مصادر إضعاف قوة المجتمع، واستهلاك جهود عدد من أصحاب الوظائف والخبرة وأهل الاختصاص في الانشغال بهذه الفئة ومحاولة إصلاحها وحل مشكلاتها على حساب ما تحتاجه الدول من جهود هؤلاء في مشاريع التنمية الكبرى وخطط التطوير المهمة. وفي هذا ما فيه من هدر للطاقات والأموال، وهو هدر قد لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة على أي حال.

ومن المفارقات القاسية أن هذه المجتمعات التي تغض النظر عن هذه الأمية المستفحلة البشعة تتطلع في كثير من الأحيان إلى تنمية سياسية أو اجتماعية من خلال لعبة الديمقراطية التي تأخذ بها البلدان المتقدمة التي حققت شوطاً كبيراً في مجال التعليم والتنمية البشرية وساعدت في خلق رأي عام يستند بقوة إلى التعليم والثقافة والتنوير، ومن عجب أنها تتبنى النظام الديمقراطي السياسي والاجتماعي في تشكيل الأحزاب وفي النظام البرلماني مما يجعل هذه الفئة الأمية في المستقبل القريب بل في اللحظة الحالية من أصحاب الحق في التصويت على أهم القرارات التي تتعلق بحاضر البلاد ومستقبلها، والأمور التي تخص القضايا الحيوية للبلاد.

مع أنّ النسبة العالية من الأمية تجعل قضية الرأي في بلد من البلدان أسطورة ليس لها سند من الواقع؛ فكيف يمكن لهذه النسبة العالية من الأميين أن تشكل رأياً عاماً له حضور في أي فعل سياسي أو ثقافي أو اجتماعي؟ بل كيف يمكن لهذه النسبة أن تقود البلاد إلى تحقيق البرامج الأساسية في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهي تفتقر إلى الأسس التي تنطلق منها في تشكيل رؤاها حول هذه القضايا الجوهرية؟

إن هذه الأمية التي تتمدد وتنتشر في بلدان عربية كثيرة، ولاسيما في تلك الدول ذات التعداد السكاني الكبير، هي جيش من الهدم والتقويض لا يقل خطراً عن الجيوش المعادية لأنها تفتك بكل شيء، وتقف عنيدة أمام التطوير والتنمية، وهي تقف سداً منيعاً وراء التخلف والجهل والسماح بسيادة جو من اللامبالاة والرضا بالواقع السلبي، وتفتقر في الغالب إلى الطموح المطلوب للتغيير والتقدم. ويأتي خطرها الحقيقي من كونها ممتدة في نسيج المجتمع، داخلة في تكوينه، ولها دور كبير، نظراً إلى نسبتها العالية، في سحب كل الجهود المستقبلية إلى الوراء، فكأنها تعمل، بلا قصد ولا نية، في منع حركة التنمية الحقيقية من أن تؤتي ثمارها، وأن تتجلى في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في حياة الناس. إنها حقا كالسد المنيع الذي يقف حائلا أمام ماء الحياة من أن يسقي الأرض فينبت الزهر والشجر.

وتشير التقارير إلى أن نسبة الأمية في هذه البلاد ترتفع بين الإناث بسبب سيادة بعض المفاهيم الخاطئة بين الناس حول مشروعية تعليم الأنثى، نتيجة الفهم الخاطئ للقيم والتقاليد والدين أيضاً. وفي هذا تعطيل كبير لطاقات فئة مهمة من فئات المجتمع، وحرمان لها من أن تنال حقها في الإسهام في تطوير البلاد وخدمتها، مع ما تتمتع به من قدرات ومواهب، وهذا، كما لا يخفى على أحد، له أثره العظيم في المجتمع، وفي خلق نوع من الهشاشة والضعف المستمر في بنيته التي لا يمكن لها أن تتماسك ونصف المجتمع مغيّب معزول عن أهم مشاريع التنمية فيه.

ولعل المشروعات الخيرية التي يتوجه بها أصحابها لمساعدة المحتاجين تجعل من الأهمية بمكان أن يتوجه جزء منها إلى التعليم، لأن التعليم هو المحرك الأساسي باتجاه العيش الكريم والحياة الاجتماعية والنفسية المتماسكة القويمة.

ولابد في هذا المقام من التذكير بدور المصلحين الاجتماعيين والروحيين، ولاسيما الوعاظ والدعاة لبيان دور الدين في كل مناحي الحياة، وتوضيح أن العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وعلى كل إنسان؛ فللمعرفة وللعلم الدور الكبير في تنوير الإنسان وتثقيفه وتعميق الإيمان. ولعل دور الوعاظ والعلماء من أهم الأدوار في هذه البيئات، ولاسيما البيئات الريفية للثقة بما يأتي منهم مما يغير النظرة إلى التعليم، ولاسيما تعليم البنات، ولعل قدرتهم على المحاجة الشرعية أن تكون نافذة يطل منها الناس على ضرورة إرسال أبنائهم وبناتهم إلى معاهد التعليم ليحققوا الأمل المعقود عليهم في خدمة أسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم وأمتهم.

وكم يبهج القلب أن يتسابق بعض الذين وهبهم الله الثروة لهذا الغرض النبيل فيعملون بأنفسهم على فتح المدارس والمعاهد في أقطار مختلفة، ولعل التنافس في هذا المجال وزيادة الإقبال على هذا الجانب يجعل الأمل معقوداً على خفض نسبة الأمية التي تعد الغول الذي يهدد مستقبل هذه الأمة ويقف حاجزاً منيعاً دون تقدمها ودون تنميتها الشاملة في المجالات كافة.

ويمكن لأصحاب المسابقات والجوائز أن يخصصوا الأموال والجوائز لمن يسهم في محو أمية عدد من الأميين، أو من يقنع بعض الممتنعين عن إرسال أبنائهم وبناتهم إلى معاهد التعليم في أهمية أن يفعلوا ذلك. فهذا فريق من الناس له دور لا ينكره أحد في دفع عجلة التقدم في المجتمع خطوة إلى الأمام، وسيبقى كل من تعلم من الأميين بسببه شاهدا على جهوده ودوره العظيم.

جامعة الإمارات