لا انفصال في تعامل الدول السابقة إلى النمو مع الدول الساعية إلى التنمية، ولا في تعامل الغرب المادي مع قضايا الشرق الروحي، أو في تعامل الشمال المستعمِر مع الجنوب المستعمَر، لا في الماضي ولا في الحاضر، بين الاقتصاد والسياسة ولا بين السياسة والثقافة والحروب لخدمة الأهداف الاقتصادية فكل كل شيء لديهم ليس سوى بيزنيس.
الثقافة لخدمة السياسة، والسياسة لخدمة الاقتصاد، والحرب بشعارات ثقافية لخدمة السياسة بهدف خدمة الاقتصاد، والإعلام والشعارات البراقة ما هي إلا أدوات الحملة الإعلانية الدعائية للترويج لنفاذ السياسة لفتح الأبواب والأسواق أمام نفوذ الاقتصاد الغربي، والنتيجة في النهاية، أن تقدم الغرب وتخلف الشرق، وازدهار الشمال تحقق على حساب إفقار الجنوب.
المستعمِرون القدامى كان هدفهم الثروة على حساب المستعمَرين، وكل شيء لدى المستعمرين الجدد الآن لم يعد إلا نوعا من البيزنيس، حتى الشعارات حول الحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان، قد يطبقونها على إنسان الشمال أو لخدمة إنسان الشمال، أما لإنسان الجنوب فلا معنى لها لديهم سوى حرية الاحتلال وحرية الاحتكار، وديمقراطية أن يحكم أو يتحكم الموالون لسياساتهم فقط في دول الجنوب ..
أما المعارضون لأهدافهم في السيطرة والهيمنة السياسية أو الاقتصادية، فهم إما متطرفون أو انغلاقيون، أو لا يعيشون عصر العولمة أو الأمركة ـ لا فرق ـ ولا حق لهم ولا مشاركة معهم ولو كانوا ديمقراطيين في تلك الديمقراطية الغربية المدعاة، خصوصا بانتقائيتها المتناقضة على الطريقة الأميركية، والسياسة الغربية وخاصة الأميركية لا هدف لها في النهاية بمحاولة الهيمنة السياسية وحتى بالغزو الثقافي والسياسي والاحتلال العسكري وسياسة الحروب سوى الغزو الاقتصادي والسيطرة على ثروات الآخرين وخاصة مصادر الطاقة والمواد الخام.
في الماضي كان هدف الاستعمار القديم في الشمال هو السيطرة على مكامن الثروة في الجنوب حيث المواد الخام الرخيصة، وحيث تحويل المستعمرات إلى مزارع وليس إلى مصانع فثقافة الإنتاج والتنمية ممنوعة، والتكنولوجيا محتكرة لهم والمطلوب فقط أسواق مفتوحة لاستهلاك منتجاتهم بعد تصنيعها في بلادهم وتشغيل عمالهم وازدهار اقتصاد الشمال، وازدياد طوابير البطالة وإفقار شعوب الجنوب.
وفى الحاضر بقيت أهداف الاستعمار الجديد هي ذات الأهداف وذات الأدوات ولكن بأشكال جديدة في ظل العولمة، وباتفاقيات دولية تفرض فتح الأسواق ولا تخدم إلا ذوي اقتصادات الإنتاج الضخمة والتي تحتاج إلى أسواق لتصريفها، سواء اتفاقيات منظمة التجارة العالمية أو سياسات وروشتات البنك الدولي الذي تحتكر رئاسته أميركا، وصندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه أوروبا.. ضفتا الحلف الأطلسي.
وما يزيد من نزعة الحروب لخدمة تجار الحروب لدى الإدارة الأميركية المشرفة على الغرق أو على الرحيل، هي الحال المتأزمة التي أوصلت إليها الاقتصاد الأميركي بسياساتها الخارجية الرعناء..
لكن السؤال هو .. هل سيستطيع الاقتصاد الأميركي الاستمرار طويلا على هذا الحال؟ .. و إلى أي مدى يمكن أن يستمر العالم في إنقاذ الاقتصاد الأميركي لمجرد أنه اقتصاد أكبر من أن يسمح له بالانهيار كي لا يأخذ العالم كله معه إلى هاوية اقتصادية؟.. وهل يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلا مع تجاهل المخاطر، خاصة مع الكلفة الهائلة التي يدفع ثمنها الاقتصاد الأميركي للحروب الخاسرة من أفغانستان إلى العراق، ومع التهديدات بشن مزيد من الحروب من السودان إلى إيران، وهى ما سيؤدي في رأي الخبراء بالاقتصاد الأميركي بل بالعالمي كله إلى الانهيار؟!