هرع المرشح الجمهوري جون ماكين إلى مدينة ممفس بولاية تنسى ليقف على تلك البلكونة التي وقف عليها مارتن لوثر كينغ قبل أربعين عاماً لتغتاله رصاصة قدمت من مبنى في مقابل تلك البلكونة، ولتنهي حياة مناضل حرك ملايين السود الأميركيين منذ أواسط الخمسينات من القرن الماضي للمطالبة بحقوقهم المدنية متبعاً طريقة المهاتما غاندي السلمية.

وقف ماكين الأبيض أمام حشد كبير من السود في يوم ماطر في نفس المكان الذي سقط فيه مارتن لوثر كينغ صريعاً ليقول إنه يأسف على موقفه في الكونغرس حينما صوت قبل عدة سنوات ضد أن يكون يوم ميلاد كينغ عيداً قومياً في الولايات المتحدة الأميركية!! فما كان من الجمهور إلا أن علت صيحاته منددة بذلك الموقف الشائن، أما رد ماكين فقد تلخص في اعتذاره وقوله إن المرء يتعلم من تجاربه!!

في المقابل، لم تترك مرشحة الحزب الديمقراطي تلك الفرصة الذهبية تفوتها، وهي في وضع سيئ في مقابل منافسها باراك أوباما الذي يعلو نجمه الآن، لم تترك هيلاري كلينتون الفرصة تفوتها فاعتلت تلك الشرفة التابعة «لموتيل لورين» (والتي غدت الآن متحفاً قومياً يضم أدوات الجريمة )، اعتلت الشرفة لتخاطب ذات الجمهور المحتشد وتعده بالعمل على تحقيق المساواة بين البيض والسود.

والحق، إن كلينتون أفضل حالاً من ماكين، إذ حينما اغتيل مارتن لوثر كنغ في الرابع من أبريل من العام 1968 كانت طالبة تدرس القانون، وحينما سمعت الخبر توشحت بالسواد دلالة على الحزن. وصورتها تلك أخذت تظهر في وسائل الإعلام للتأكيد على مصداقيتها في تعاطفها مع حركة الحقوق المدنية التي قادها القس مارتن لوثر كينغ، والتي من خلال تلك الصورة تريد أن تكسب عطف الناخب الأميركي الأسود.

الذكرى الأربعين لاغتيال المناضل مارتن لوثر كينغ قد فتحت الباب على وضع الأقليات بالذات الأميركيون السود مرة أخرى، وبالمناسبة، فإن تسمية الأميركيين السود قد استبدل هذه الأيام بتسمية أخرى وهي الأميركيون من ذوي الأصول الافريقية، وكانت التسمية قبل اندلاع حركة الحقوق المدنية في الخمسينات هي «الزنوج».

ولعل تدرج تلك التسمية في مراحل حياة الشعب الأميركي يدل على تطور الصراع الذي لا يزال قائماً في هذا المجتمع على أساس العرق والطبقة. فما زالت الغالبية الساحقة من السود هم من سكان المدن الفقراء، الذين يعيشون في أحياء تمتلئ بالمجرمين ومهربي المخدرات، ولا زال التعليم في أوساطهم يتعثر إذ إن غالبية التسرب المدرسي من فئتهم.

وقد يكون وضع السود الحالي في الولايات المتحدة تدعيماً لم وقفوا في وجه كينغ وادعوا أن حركته السلمية لن تؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في حياة الأقلية السوداء، وكان على رأس هؤلاء مالكوم إكس وحركة الفهود السود. وقد لجأ هؤلاء إلى استخدام العنف المسلح إلا إنهم فشلوا فشلاً ذريعاً. فالحركة التي بدأها مارتن لوثر كينغ ضربت أعماقها في المجتمع الأميركي منذ تلك الحركة السلمية التي دعي إليها في العام 1955 والمتمثلة في مقاطعة شركة حافلات مونتغمري لاهانتها امرأة سوداء.

إذ أدرك بعدها قوة النضال السلمي الأمر الذي دعاه لوضع مؤلف في العام 1958 بسط فيه رؤيته في ذلك تحت اسم: خطوات واسعة نحو الحرية أكد فيه على أن النضال السلمي لا يعني البتة الجبن بل هو نضال الشجعان، ويرافق هذا النضال التسامح والعفو عن الآخرين وهم الذين ارتكبوا ظلماً تاريخياً بحق السود. وتدعيماً لنزعته السلمية فقد سافر بعد عام من ذلك للهند ليلتقي أسرة المهاتما غاندي ويتعلم منهم أساليب العصيان المدني.

وقد تدعم وضع مارتن لوثر كينغ كداعية ينبذ العنف وفي الوقت ذاته يدعو إلى التغيير حينما حصل على جائزة نوبل للسلام في العام 1964 .

كانت الولايات المتحدة في تلك الفترة تنزلق إلى حرب فيتنام وكانت حركة الحقوق المدنية بزعامة مارتن لوثر كينغ في أوجها. وتشاء الصدف أن يكون مصير كينغ كمصير ملهمه المهاتما غاندي وهو الاغتيال، وقد فجر ذلك موجهة من أعمال العنف شملت مئة مدينة أميركية، فضلاً عن استنكار العالم.

وقد ظل اغتيال مارتن لوثر كينغ لغزاً إلى الآن، حيث أن المتهم بقتله جيمس إيرل راي، الذي اعترف في البداية بقتله لكي يخفف عنه الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد أو بالأحرى السجن لمدة تسع وتسعين سنة في العاشر من مارس في العام 1969، قد غير رأيه بعد أسبوعين من ذلك الاعتراف، ليصر إلى آخر يوم في حياته التي جاءت إلى نهايتها في العام 1998 إنه لم يقتل كينغ وإن شخصاً آخر قتله باسم راؤول!!

وقبل وفاته بعام ذهب إليه إكستر ابن مارتن لوثر كينغ الذي كان في السابعة من عمره حينما اغتيل أبيه وسأل راي قائلاً: (هل قتلت أبي؟) فأنكر راي ذلك.

وقد شاعت نظرية المؤامرة في اغتيال مارتن لوثر كينغ طوال السنوات الأربعين التي خلت، يعضدها إنكار راي المستمر، والحملة التي كانت الحكومة الأميركية تشنها على كينغ، خاصة بعد حديثه في التجمع المليوني في واشنطن في العام 1963، حيث تصنفه إحدى وثائق الاف بي أي (إدارة المباحث الفيدرالية) بأنه «أخطر زنجي»!! فضلاً عن تلقيه رسائل تهديد منها.

وفي برنامج وثائقي أعدته شبكة السي ان ان الأميركية بمناسبة الذكرى الأربعين لاغتيال كينغ، أكد رفيقه أندرو ينغ ( الذي عمل فيما بعد مندوباً لأميركا في الأمم المتحدة ) أن ثمة تواطأ بين الأجهزة الحكومية وشرطة مدينة ممفس في تلك العملية. وبعد إلحاح طويل، فتح باب التحقيق ثانية، وتوصلت لجنة قضائية، استمر عملها لمدة 18 شهراً في العام 200 إلى إن مقتل مارتن لوثر كينغ لم يكن بفعل مؤامرة بل من عمل مجرم عريق وهو جيمس إيرل راي. وهو رأي رفضته عائلة كينغ وما زالت تطالب بفتح ملف القضية!!

ولا شك أن مارتن لوثر كينغ لم يحلم إنه بعد أربعة عقود من اغتياله، سيكون للولايات المتحدة الأميركية مرشح من الأقلية السوداء يمثل تحدياً مهماً لمنافسته البيضاء في الحزب الديمقراطي، ولمنافسه الآخر من الحزب الجمهوري. وقد يكون ترشيح باراك أوباما لرئاسة جمهورية الولايات المتحدة الأميركية فرصة لتحقيق حلم كينغ، الذي قدم حياته ثمناً له وهو تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع الأميركي بإلغاء التمييز العنصري.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com