شهادة الجنرال بتريوس والسفير كروكر، أمام اللجان المختصة في الكونغرس؛ خلاصتها المفيدة، هي أنه لا فائدة ترجى من الحديث عن بداية ولو تقريبية، لانسحاب القوات الأميركية من العراق ولا حتى عن أية جدولة لبدء خفضها؛ طالما أن الرئيس بوش مقيم في البيت الأبيض.
من الأساس كان ذلك مسألة غير واردة. ولا تزال. الرئيس دأب على القول، أنه في خصوص خفض القوات، لناحية الحجم أو الموعد؛ لن يقرر إلا في ضوء ما تراه القيادة الميدانية للقوات الأميركية، في العراق. هذه الأخيرة، عندما تسأل، كما حصل وسئلت أمس في الكونغرس، عن الموضوع؛ تلف وتدور حوله، مراراً وتكراراً،من دون أن تعطي أية إشارة؛ ولو بالتلميح، عنه. تقول كل شيء، فيما يتعلق بالوضع العراقي؛ من دون أن تأتي على سيرة الرقم أو التاريخ أو العدد؛ عندما يتصل السؤال بالانسحاب.
وكأن دورانها يشي بعدم وجود نية في واشنطن، للمباشرة في طي صفحة هذه الحرب. ناهيك بالنية لمراجعة هذا الملف، من أساسه. الرئيس يتحجج بالجنرال. وهذا الأخير يختبيء وراء الظروف الموجودة في جعبة الغيب.
قضى الجنرال والسفير ، ساعات طوالاً؛ أمام أعضاء لجنتي، القوات المسلحة والعلاقات الخارجية؛ للإفادة عن واقع الحال، الأمني والعسكري، في العراق؛ وعما إذا كان قد بان لهما أي بصيص ضوء في آخر النفق؛ من شأنه أن يسمح بالحديث عن بداية النهاية لهذه الحرب.
طرح هذا السؤال بصيغ وأشكال ومن زوايا عديدة. لكن الجواب لم يبارح دائرة الرقص حوله. ولو بتمايلات مختلفة.
رفض كلاهما تحديد ولو موعد على سبيل التقدير، أو حتى مشروط بتوفر معطيات محددة؛ لبدء العد العكسي. كله مربوط، كما شدّد الجنرال والسفير، بالمستجدات التي قد تحصل؛ في حينه. والمعروف أن بتريوس نفسه كان قد قال، في إفادته خلال سبتمبر الماضي، إن تخفيض القوات، يحدده مدى تحسّن الوضع الأمني في العراق. اليوم ومع اعترافه بحصول مثل هذا التحسن، لا يزال يتهرب من الالتزام بجدولة محددة. تماماً كما يفعل البيت الأبيض.
مضت خمس سنوات على سقوط بغداد. الحالة الأمنية، في أفضل التقديرات، طرأ عليها تحسّن نسبي؛ وبالقطّارة. وهو بكل حال تطور هشّ، باعتراف الأميركيين أنفسهم؛ ومرشح للإنتكاس. معنى ذلك أن شرط الأمن، مسألة مفتوحة بلا سقف؛ واستطراداً أن الاحتلال، هو الآخر، مسألة مفتوحة على الزمن.
كما أنه يعني بأن المدخل الأمني كأساس، كان الخيار الخطأ. والإصرار عليه اليوم، في إفادة بتريوس - كروكر؛ لا يعني فقط التشبث بالمعاندة؛ بل أيضاً التشبث بالحالة التي تكفل تأبيد الاحتلال. أو على الأقل إطالة أمده، قدر الإمكان. رسالة واضحة إلى كافة القوى العراقية المعنية، التي باتت الصورة جليّة أمامها أكثر فأكثر.
فإما أن تحزم أمرها وتمشي باتجاه لملمة وحدتها الوطنية، بحدود القواسم المشتركة التي تكفل قيام هذا البلد؛ وإما أن يبقى عراقها تحت الاحتلال، بزعم أن أوضاعه الأمنية لا تسمح برحيله. والقرار الأخير لها.
