في مثل هذا الشهر من العام 2003 ساد صمت وترقب انتظارا لتنفيذ الهدف ، او بالأحرى اكتمال تنفيذ الهدف الاميركي ـ الاسرائيلي وآخرين، الهدف كان ومايزال تدمير العراق كي يشعر كل طرف من هذه الاطراف انه نال ثأره من غريمه (الذي هو العراق)، فهل تحقق الهدف؟ ربما ولكن، بأي ثمن؟ ومن الذي دفع معظم الفاتورة؟.

نحسب ان العرب هم اول واكثر من دفع، اما الاميركيون فدفعوا من دماء راغبي الإقامة في الولايات المتحدة، هذا اذا رجعوا أحياء، حيث القوائم الثابتة لضحايا الشعب الاميركي لاتزيد عن المعلن الذي هو في حدود الاربعة آلاف قتيل، اما منتسبو الشركات الخاصة (مثل بلاك ووتر وغيرها) فليسوا مصنفين لانهم مرتزقة اجانب يرتدون زي العسكريين الاميركيين.

كان قادة اليمينيين الجدد في الولايات المتحدة يعدون الشعب الاميركي والعالم ويمنونهم بأن (النزهة العسكرية من اجل التدمير) لن تدوم سوى سويعات او ايام وعلى الاكثر اسابيع، وكم كانت لحظة المحاسبة التي جرت في الكونجرس الاميركي امس للاستماع الى قائد القوات الاميركية في العراق (بتريوس) والسفير الاميركي في بغداد (كروكر) مريرة وقاتلة وهما يبحثان عن ردود للتساؤلات حول اسباب سقوط الصواريخ على المنطقة الخضراء المحمية جيدا بوسط بغداد، وعن اسباب الفشل في اقرار الأمن من البصرة جنوبا الى الموصل شمالا بعد خمس سنوات من الغزو.

اذا كان الهدف هو الدمار فقد تحقق، واذا كان الهدف هو النفط فقد تدفق بلا عدادات او حساب لتتخم خزانات الوقود في الولايات المتحدة بنسب لم تحدث في تاريخها. واذا كان الهدف هو النهب وتفكيك العراق فقد تم ويتم، لكن السؤال الأخطر: هل يشعر الذين كانوا يترقبون الفكاك من حالة الخوف التي كانت تنتابهم بسبب بقاء العراق موحدا وعزيزا على نفسه وغيره، بالطمأنينة الآن..لا وألف لا.

لقد راح الخوف من العراق وبدأ الخوف على العراق، بدأ يتحول الى هاجس يأتيهم من فوقهم ومن اسفل منهم، حتى غدوا يشعرون انهم بانتظار (توابع) للزلزال اقوى من الزلازل نفسها.

نعم، الآن لم يعد يشعر احد من الحاقدين على العراق انه نال غرضه، بعد ان انطلت اللعبة الاميركية ـ الاسرائيلية على الجميع على اختلاف درجة طمعهم وشهوتهم الى الانتقام.

اسرائيل التي خططت ونفذت عبر خبرائها في البنتاجون الاميركي يقتلها الخوف على وجودها. اميركا تاهت امامها سبل الخروج من المستنقع بعد ان اغرقت نفسها وغيرها فيه.

اما الجالسون القرفصاء حول الوليمة اللئيمة ينتظرون فتاتها، فقد توافرت لديهم القناعة بان الوليمة كلها كانت مسمومة، فكيف بفتاتها. اما الخاسر الأكبر فهو الشعب العراقي الذي لا يجد من يخرجه من هذا الهم اليومي، واما العاصمة العراقية (بغداد) فكم من مرة سقطت ونهضت، والتاريخ خير شاهد.

ومازال الأمل قائما ان يتعلم الذين امتحنوا من محنتهم، وان يتبصروا موقع خطوهم قبل ان يخطوها، ولعل في الإعادة إفادة، وهانحن نعيد انتاج الصورة القولية على كآبتها التي تنادي: هل من مستفيد، هل من راغب في إعادة النظر بمرجل الكراهية والحقد المعتمل في داخله تجاه العراق؟.

في الذكرى الخامسة لسقوط العراق وسقوط من أسقطوه، يبقى باب الأمل مفتوحا لمن اراد ان يتعلم من الموت الذي لحق بالعراق الموحد العزيز المزدهر، فالموت خير واعظ، لكن فقط لمن ألقى السمع وفتح العين، وأبصر واستبصر على نحو يفتح كوة في القلوب الغُلف.