يبدو ان قطاع غزة سيعود الى الواجهة مجددا في الايام او الاسابيع القليلة المقبلة، فايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي جدد تهديداته بمعاودة اجتياح القطاع عسكريا في حال استمرت عملية اطلاق الصواريخ على المستوطنات والبلدات الاسرائيلية في الجنوب، بينما حذر السيد خليل الحية القيادي البارز في حركة حماس في مؤتمر صحافي عقده امس من انفجار وشيك وغير مسبوق في حال استمرار الحصار على قطاع غزة، وقال ان كل الاحتمالات واردة .
السيد الحية يلمح الى امكانية حدوث اقتحامات للحدود المصرية والاسرائيلية معا واضخم مما حدث في السابق، وهذا يعني ان هناك انتقالا من مرحلة النوايا الي مرحلة الاستعداد للتنفيذ، وهي تبدو مرحلة وشيكة للغاية.
انها صرخة تحذير لرأي عام عربي وعالمي بدأ ينسي الوضع المأساوي الذي يعيشه مليون ونصف المليون انسان تحت حصار تجويعي ظالم في شريط متوسطي ضيق لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ويعتبر اكثر مناطق العالم فقرا واكتظاظا بالسكان.
ابناء قطاع غزة يعيشون الجوع فعلا، فالمعابر مغلقة بالكامل، وامدادات الغذاء والتموين شبه معدومة، واسرائيل اتخذت قرارا بتخفيض كميات الوقود الي حدودها الدنيا، والبطالة تزيد نسبتها عن اكثر من سبعين في المئة.
في المرة السابقة اقتحم الجياع ابناء القطاع الحدود المصرية، ودمروا السور العازل، واندفعوا نحو رفح المصرية والعريش لشراء احتياجاتهم الغذائية والطبية، وكان حدثا انسانيا هز العالم بأسره، وتوقع الكثيرون ان تكون السلطات المصرية قد استوعبت الدرس جيدا، وبما يدفعها للبحث عن وسائل لابقاء معبر رفح الحدودي مفتوحا امام ابناء القطاع، ولكنها نسيت الأمر بعد ان هدأت الاوضاع نسبيا.
اقتحام الحدود المصرية مرة اخرى سيضع الحكومة المصرية امام حرج كبير، لان اطلاقها النار على المقتحمين لمنعهم من دخول الاراضي المصرية سيؤدي الى مضاعفات خطيرة، وتوتر في العلاقات مع حركات المقاومة الفلسطينية وحركة حماس التي تدير قطاع غزة على وجه التحديد.
اما وقوفها صامتة امام اي اجتياح فقد يعرضها لغضب الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل معا، واتهامها بتسهيل عمليات تهريب اسلحة ومعدات عسكرية جديدة ومتطورة الى حركات المقاومة، مثلما حدث في المرة السابقة.
الحكومة المصرية ستتحمل المسؤولية الاكبر في حال حدوث اي اقتحام جديد، لانها اعطيت الوقت الكافي لتنفيذ وعودها للتوصل الى صيغة لابقاء معبر رفح مفتوحا بطريقة قانونية، ولكنها فضلت بناء سور جديد، وزيادة عدد قواتها الامنية على جانبها من الحدود، اعتقادا منها ان هذا سيمنع اي اختراق جديد، وهو اعتقاد خاطئ.
فاذا وضعنا في اعتبارنا ان اكثر من نصف مليون شخص عبروا الحدود بعد نسف السور في المرة الاولي، فان هؤلاء يحتاجون الى ربع هذا العدد على الاقل من رجال الامن لمنعهم، وهو عدد لا تسمح به اتفاقات كامب ديفيد المنظمة لاتفاقات الحدود بين مصر واسرائيل.
موقف الحكومة المصرية بعدم الاسراع بايجاد صيغة لابقاء معبر رفح مفتوحا غير مقبول، وغير مبرر في الوقت نفسه، لانه من العيب ان يظل الحصار قائما على ابناء القطاع بالصورة الوحشية التي نراها.
ولا يوجد قانون الهي او وضعي يسمح بحصار هؤلاء وسجنهم في هذا الشريط الضيق، بحيث لا يستطيع ابناؤهم المغادرة من اجل العلاج او العمل او شراء الحد الادني من مطالبهم الحياتية.
صرخة السيد الحية التحذيرية يجب ان تلقى اصداء ايجابية في اوساط الحكومة المصرية وجميع الدول العربية قبل ان تحدث الكارثة، وتنفجر الاوضاع بصورة اكثر دموية.
