عندما أكد مجلس الوزراء في دولة الإمارات خلال الفترة الماضية على اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية للتعامل والمخاطبات في مؤسسات وهيئات ودوائر الدولة، توقع كل منا تحرك الجهات الحكومية سريعا وتباحث آليات تطبيق القرار، خاصة بعد سيطرة الإنجليزية خلال السنوات الماضية على معظم التعاملات، لكن الواقع أثبت أن تحركات بعض المؤسسات لتطبيق القرار بطيئة وتعترضها عراقيل، لابد من البحث عن طرق لمواجهتها للحفاظ على أهم عناصر الهوية التي فقدنا جزءا كبيرا منها لا نعلم إن كنا نستطيع إعادته أم لا.

مناسبة حديثنا هذا موقف تعرض له مواطن، إذ توفيت جدته فأصدر له مستشفى دبي شهادة وفاة باللغة الإنجليزية، وعندما أخذ الشهادة إلى محاكم دبي لينجز إجراءات الإعلام الشرعي، تفاجأ برفض الموظف الشهادة التي لا يطلع عليها القاضي لأنها ليست باللغة العربية. طلب الموظف من المراجع ترجمة الشهادة في أحد أقسام المحكمة مقابل رسوم، وعندها أشار المراجع إلى أهمية التنسيق بين المحاكم والمستشفيات لينأوا بالمراجعين عن إجراءات تأخذ وقتا وجهدا ومالا.

كما تساءل المراجع عن سبب استخراج شهادات الوفاة باللغة الإنجليزية لسيدة عربية، وفي وقت جاءت فيه تعليمات مجلس الوزراء واضحة بشأن اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في كل التعاملات الرسمية.

ولمعرفة خلفية الموضوع اتصلنا بأطباء مواطنين في المستشفى وأكدوا وجود هذه المشكلة منذ فترة، وهي عالقة بين مستشفيات دبي والشرطة والمحاكم.

وأضاف الأطباء ان جانبا من المشكلة يكمن في أن الطبيب الذي يحرر شهادة الوفاة في الغالب أجنبي لا يجيد العربية، ولا يستطيع طبيب عربي آخر لم يحضر الوفاة كتابة الشهادة عنه لما يترتب على ذلك من مساءلة قانونية. وأشاروا إلى أن مصطلحات الطب عالمية ومتفق عليها، لاسيما وأن الطب يدرس باللغة الإنجليزية فيما عدا دول قليلة، وتبقى بالتالي ترجمة المصطلحات الطبية إلى العربية عرضة لعدم الدقة.

ومع احترامنا لوجهة نظر الأطباء والأسباب التي أبدوها الا أننا نقول ان ما تم ذكره لا يمكننا الاقتناع به كحجة لعدم إيجاد حل لمشكلة بسيطة كهذه، إذ إنه بدل إجبار المراجع على دفع رسوم للمحاكم لترجمة قانونية يعاد إرسالها إلى هيئة دبي الصحية التي تقوم بذلك مستعينة بأطبائها، كان من الأجدى توفير الوقت والمال على المراجع بإصدار تلك الشهادة مباشرة باللغتين العربية والإنجليزية من قبل المستشفى، ولو من باب احترام لغة المراجع العربي والتي تعد اللغة الرسمية في الدولة والتي نص عليها الدستور.

كما ان هناك دولاً آسيوية لا تعتمد على الإنجليزية في تعاملاتها الطبية، وهناك دول عربية تبقي اللغة العربية أداتها في كل تعاملاتها، فبماذا نختلف؟

اتصلنا أيضا بمدير الشؤون القانونية في هيئة دبي الصحية وقد أيد وقدر واحترم موقف القضاة في هذه المسألة، وقال إن الهيئة بصدد الإعلان قريبا عن آلية تستطيع من خلالها إصدار شهادات الوفاة باللغة العربية والانجليزية معا دون حاجة تدفع المراجعين إلى الاستعانة بمترجمين قانونيين.

ولحين تنتهي هيئة دبي الصحية من إعداد هذه الآليات، ولحين بدء العمل بها نأمل على الجهات الحكومية جميعها وضع خطط تستطيع من خلالها إعادة الاعتبار للغة العربية التي همشت خلال السنوات الماضية.

شهادة الوفاة نموذج لحالات ومواقف أخرى تؤكد وجود مشكلة في أكثر المؤسسات والدوائر التي لا تعرف ولم تضع خطة إلى الآن لتحويل تعاملاتها إلى العربية، بعد ان أصبحت نظمها كلها بالإنجليزية التي تتوافق مع الغالبية من مختلف الجنسيات مراجعين كانوا أو موظفين لا يجيدون العربية ويرفضون الحديث أو التعامل بها وان كانوا يجيدونها.

وهي أزمة تجعلنا نتساءل: هل سنستطيع تعميم العربية واعتمادها حقا في كل تعاملاتنا؟

maysaghadeer@yahoo.com