في الآونة الأخيرة، كثر الحديث عن الدور الخطير الذي قد يلعبه من يطلق عليهم «المندوبون فوق العادة» SuperDelegates في حسم المعركة على ترشيح الحزب الديمقراطي بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما.

من هم المندوبون فوق العادة وما هو دورهم بالضبط ولماذا لم نسمع عنهم في أية انتخابات سابقة؟

ولا يمكن في الواقع فهم خطورة الدور الذي قد يقوم به المندوبون فوق العادة دون فهم المنطق الذي يحكم الانتخابات الرئاسية عموما و القواعد التي تحكم الانتخابات التمهيدية فيها على وجه الخصوص.

فانتخابات الرئاسة الأميركية انتخابات غير مباشرة في كل مراحلها. فالرئيس الأميركي لا يتم اختياره عبر الانتخاب المباشر، لا في المرحلة التمهيدية وهي التي نعيشها اليوم ولا في المرحلة النهائية وهي التي تبدأ هذا العام في سبتمبر وتنتهي يوم الاقتراع العام في نوفمبر.

والمنطق وراء الانتخابات غير المباشرة هو منطق ساد منذ وقت كتابة الدستور الأميركي. فالقائمون على كتابة الدستور الأميركي لم يثقوا أبدا في قدرة عامة الشعب على اتخاذ القرارات السليمة. ومن ثم وجدوا أنه من الضروري كبح جماح المشاعر الشعبية، عبر خلق نظام لانتخاب الرئيس يعطي الجماهير الحق في التعبير عن نفسها، ولكنه يضع ذلك التعبير دوما تحت السيطرة من جانب نخبة أكثر حكمة، قادرة على اتخاذ القرارات السليمة.

وقد ظل هذا المنطق حاكما لكل القواعد المتعلقة باختيار الرئيس الأميركي سواء التي نص عليها الدستور أو تلك التي استنت فيما بعد. فرغم أن الانتخابات التمهيدية لا ينص عليها الدستور الأميركي إلا أنها في الواقع استلهمت روح هذا الدستور.

والانتخابات التمهيدية هي ببساطة تلك المرحلة التي يتم فيها اختيار كل حزب لمرشح واحد ـ من بين أي عدد من المرشحين باسمه ـ ليصبح هو المرشح الذي سيخوض المعركة ضد مرشح الحزب الآخر. وهذا الاختيار يتم عبر الانتخاب ولكنه انتخاب غير مباشر تحدد الأحزاب بالاشتراك مع الولايات القواعد الحاكمة لها.

ومعنى أن الانتخابات التمهيدية غير مباشرة هو أن الناخب لا يدلي بصوته مباشرة لصالح المرشح، وإنما هو في الواقع يعطي صوته إلى «مندوبين» Delegates عن هذا المرشح يحضرون المؤتمر العام للحزب ويختارون بدورهم مرشح الحزب. والفائز بالترشيح يكون هو الذي يحصل على أغلبية أصوات «المندوبين» في المؤتمر العام.

فكل حزب يحدد منذ البداية العدد الكلي للمندوبين الذين سيحضرون مؤتمره العام، ويوزع هؤلاء المندوبين على الولايات المختلفة وفق اعتبارات عدة منها عدد سكان الولاية، ومدى شعبية الحزب بها.

ثم تجرى الانتخابات التي يدلي فيها الناخبون بأصواتهم فتتم ترجمة تلك الأصوات «الشعبية» إلى عدد من المندوبين يمثلون كل مرشح في المؤتمر العام. أما بشأن كيفية ترجمة أصوات الناخبين إلى مندوبين، فهي مسألة يتحكم فيها الحزب، وفي حالة الحزب الديمقراطي فإنه يتم ترجمة أصوات الناخبين وفق القاعدة النسبية. إذ يحصل كل مرشح على عدد من المندوبين بناء على نسبة الأصوات الشعبية التي حصل عليها، بشرط أن يحصل على 15% على الأقل من أصوات الذين أدلوا بأصواتهم في الولاية.

لكن الحزب الديمقراطي أيضا يضيف لعدد المندوبين الذين يفوز بهم المرشح بموجب الأصوات الشعبية نوعا آخر من المندوبين لهم حق التصويت في المؤتمر العام وهم من يطلق عليهم اسم المندوبين فوق العادة Super Delegates وهم رموز الحزب المنتخبين من أعضاء الكونغرس إلى حكام الولايات فضلا عن أعضاء اللجنة العامة للحزب وغيرهم من كبار الشخصيات العامة في الحزب.

ويمثل عدد المندوبين فوق العادة حوالي 20% من إجمالي عدد مندوبي الحزب الذين يحضرون المؤتمر العام. بعبارة أخرى، فإن 20% ممن لهم حق التصويت في المؤتمر العام لم يحصلوا على هذا الحق بناء على إرادة الناخبين وإنما بصفتهم زعماء للحزب.

والجدير بالملاحظة هنا هو أن السبب الذي جعل الحزب يعطي لهؤلاء الحق في التصويت في المؤتمر العام هو في الواقع السبب نفسه الذي جعل واضعي الدستور يخترعون نظام المجمع الانتخابي، أي الخوف من حكم الشعب!

ففي انتخابات 1972 فاز جورج ماكجفرن بترشيح الحزب بفضل أصوات الناخبين رغم رفض قيادات الحزب له، ثم هزم بعد ذلك هزيمة ساحقة أمام نيكسون الجمهوري. ومن هنا رأى قادة الحزب أنه لا يمكن السماح للجماهير بأن تكون وحدها صاحبة الاختيار وإنما لابد من وضع قيد على ذلك الاختيار فتم اختراع حكاية «المندوبين فوق العادة» بدعوى أنهم سيكونون بالضرورة أكثر حكمة!

والمفارقة هي أن انتخابات 2008 هي التي استدعت لأول مرة دور المندوبين فوق العادة لأن الهامش بين هيلاري كلينتون وأوباما في عدد الأصوات الشعبية وفي عدد المندوبين العاديين محدود للغاية الأمر الذي يعني أن النتيجة قد تحسمها فعلا أصوات المندوبين فوق العادة.

لذلك فإن هيلاري كلينتون التي يتفوق عليها أوباما حتى الآن بفارق ضئيل في عدد المندوبين العاديين تراهن على دور المندوبين فوق العادة وتحاول إقناعهم بأنها هي الأقدر على الفوز ضد ماكين في نوفمبر.

لكن قيام المندوبين فوق العادة بحسم المعركة سيكون من الخطورة بمكان على مستقبل الحزب الديمقراطي إذا ما حسموها لغير صالح المرشح الذي حصل على أعلى الأصوات الشعبية، لأنه يعني أن قادة الحزب يلغون بجرة قلم إرادة الجماهير.

وهناك سابقة تاريخية لذلك وإن اختلفت في تفاصيلها ووقائعها، وهي تلك التي جرت أحداثها في انتخابات 1968 الرئاسية. ففي ذلك العام حسمت قيادات الحزب معركة الترشيح لصالح هيوبرت هامفري بينما استبعدت يوجين مكارثي الذي كان قد حصل على تأييد الناخبين في الانتخابات التمهيدية.

وقد شعر أنصار ماكارثي وقتها أن قيادات الحزب قد سرقت منهم الفوز ولم تعتد بإرادة الناخبين، فخرجوا في تظاهرات ضخمة في شوارع شيكاغو- التي انعقد بها المؤتمر العام للحزب. وقد كانت تلك بداية كبوة طويلة للحزب الديمقراطي لم يفق منها حتى انتخاب كلينتون في 1992. فطوال تلك الفترة من 1968 وحتى بداية التسعينات لم يستطع الحزب الفوز بالبيت الأبيض إلا لمدة أربع سنوات فقط هي فترة حكم كارتر.

ومن هنا خرجت بعض رموز الحزب في الأسابيع الأخيرة تناشد هيلاري كلينتون الانسحاب وتجنيب الحزب الدخول في دوامة قد تكلفه سنوات للخروج من تداعياتها. لكن المفارقة هي أن ذلك البديل نفسه معناه إلغاء إرادة الملايين الذين ناصروا هيلاري كلينتون ولا يزالون. أما البديل الآخر المتاح فهو حساب أصوات مندوبي ميتشجان وفلوريدا.

كان الحزب الديمقراطي قد عاقب الولايتين بحرمان مندوبيهما من حق التصويت في المؤتمر العام وذلك حين رفضتا الانصياع للموعد الذي حدده الحزب لإجراء الانتخابات التمهيدية بهما. لكن هذا البديل أيضا ينطوي على أكثر من لغم إجرائي يفجر هو الآخر قضية إرادة الناخبين.

لكل ذلك يأمل الديمقراطيون أن تحسم الولايات التي لم تدل بأصواتها بعد المعركة لصالح هيلاري أو أوباما وتجنب الحزب أزمات كبرى لا قبل له بها.

كاتبة مصرية