أتاحت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للصين الفرصة لنا لرؤية ومعرفة هذه البلاد الشاسعة ذات التاريخ العميق، فالصين لم تكن في يوم ما ضمن الرادار الخاص بي للبلدان التي أود زيارتها لأسباب عديدة ، منها الانطباع الشخصي الذي أحمله، وربما يحمله آخرون مثلي، عن جو الانغلاق الذي تعيشه هذه البلاد منذ ثورتها الاشتراكية ثم الثقافية التي قادها زعيمها التاريخي ماوتسي تونغ، وحولتها إلى قلعة من قلاع الاشتراكية العالمية، والتي استمرت حتى ما بعد سقوط زعيم البلدان الاشتراكية في العالم، أي الاتحاد السوفييتي وانفراط هذا الاتحاد وتحول بلدانه لاحقاً، بما في ذلك روسيا، إلى النمط الرأسمالي، على النحو الذي شهدناه منذ العام 1990 وحتى اليوم.
ومنها أيضاً أن بلداً يفوق عدد سكانه المليار نسمة لا بد أنه يعاني من مشكلات الفقر والتسول والازدحام وضعف الخدمات والبنية التحتية والفوضى التي نراها عادة في المدن المليونية كـ (بومباي ودلهي والقاهرة والمكسيك) وغيرها من المدن المماثلة التي عادة ما لا يفكر المرء في زيارتها إلا لمرة واحدة على عكس المدن المتحضرة كمدن أوروبا على سبيل المثال، فيجدها مثالاً للنظام والانضباط والدقة وحسن الخدمات والمعاملة، ومنها أيضاً أن بلداً كالصين، لا يمثل وجهة سياحية، إلا لمن يريد رؤية سور الصين العظيم، وفيما عدا ذلك فليس ثمة ما يمكن رؤيته كالمتاحف والمعالم الحضارية والأسواق والمطاعم والفنادق الفخمة ما يود عادة أي سائح رؤيته والتمتع به.
غير أن الصين، ومن خلال هذه الزيارة التي أتيحت لنا ومن خلال مدينتين هما من أكبر مدن الصين، بكين وشنغهاي، خالفت هذه الانطباعات الشخصية التي تكونت عبر السنين وعبر وسائل الإعلام التي لا تنقل عن الصين سوى الجانب المظلم منها، كموضوع حقوق الإنسان وانعدام حرية الأفراد والبضائع المقلدة وسوء الخدمات وغير ذلك مما ينقله الإعلام، خاصة الغربي، فيجعل من بلد في اتساع وعمق الصين الحضاري والتاريخي، بلداً منفراً، لا بلداً جاذباً، للزيارة والسياحة، فكيف بالأعمال والتجارة، وإقامة علاقات اقتصادية وثقافية معها..؟
والمفاجأة كانت كبيرة منذ وصولنا إلى مطار بكين، حيث لا يوجد ازدحام في طرقها ولا فوضى سير، بفضل البنية التحتية الممثلة في شبكة طرق حديثة، وجسور وأنفاق، ووسائل نقل حديثة ، كما أن هذه الطرق ـ لاحقاً لاحظنا ذلك حتى في أسواقها بما فيها الشعبية منها ـ غاية في النظافة وكنت سابقاً اعتقد كغيري، أن سويسرا كما شاع دائماً، هي أنظف بلد في العالم، فلما زرت اليابان في الثمانينات، اكتشفت هذه الأكذوبة، فوجدت أن اليابان أنظف بلد في العالم، واليوم مع زيارة الصين، اكتشفت أيضاً أن الصين من أنظف البلدان في العالم، وربما بما يفوق النظافة السويسرية.
ومثل هذا الانطباع الأولي تكرر في شنغهاي أيضاً، فعلى الرغم من عدد سكانها الذي يصل إلى 18 مليون نسمة، فإن النظام والانضباط والهدوء كان سمة مماثلة لما هو في بكين، علاوة على بنيتها التحتية الحديثة وفنادقها الفاخرة وعماراتها التي تناطح السحاب، والتي جعلت الأبراج في كل من هونغ كونغ وسنغافورة، مجرد شيء من الماضي، مقارنة بما هو في شنغهاي، سواء لجهة تعدد هذه الناطحات وكثرتها أو لجمال تصميمها وحداثتها.
وكذلك الحال بالنسبة لأسواقها الحديثة ومراكز تسوقها وما توفره من بضائع صينية جنباً إلى جنب البضائع العالمية، بما في ذلك أشهر الماركات العالمية في الملابس والعطور والساعات والإلكترونيات والإكسسوارات والمجوهرات، مما يستهوي عادة السياح والزائرين، إضافة بالطبع إلى سلاسل المطاعم العالمية، من مطاعم الوجبات السريعة إلى المطاعم الأخرى الفاخرة جنباً إلى جنب المطعم الصيني الشهير.
كل هذا كفيل بتغيير النظرة إلى الصين وكفيل بقلب السمعة السيئة التي ورثناها عن الإعلام إلى سمعة طيبة، غير أن ذلك وحده لا يكفي لإعطاء الصين ما تستحق من اهتمام وعناية، ففي هذا البلد الشاسع الذي يعيش في جنباته حوالي ربع سكان العالم اليوم لا تجد في شوارعه من يجري خلفك متسولاً للمساعدة، ولا من يقدم لك خدمة فينتظر منك وبإلحاح ثمناً لهذه الخدمة أكثر مما هي مقررة، والتي يسمونها في بلدان كثيرة أخرى «بخشيش» (Tip)، فسائق التاكسي يأخذ المبلغ الظاهر على العداد دون زيادة.
وإذا أقدمت على دفع أية زيادة له فإنه يرفضها باحترام وبإباء، ومثله عامل الفندق وعامل المطعم وبقية من تتعامل معهم في الحوانيت والمطاعم والمحلات وغيرها من الأماكن العامة، ولا تعرف إن كان ذلك بسبب العامل الثقافي الصيني أم بسبب الانضباط الفردي الذي يعكس حالة النظام السياسي الصارم حتى مع أدق تفاصيل حياة الناس.
ولعل هذا النظام الصارم من وجهة نظر سياسية هو الذي استطاع حتى الآن، لا في إبقاء البلد موحداً وغير عرضة للفوضى السياسية والصراعات التي شهدتها بلدان كثيرة في العالم وحتى اليوم، بل أيضاً في إطعام الناس وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير الحاجات الأساسية للشعب من صحة وتعليم وغذاء، بات بعضها في بلدان أخرى، أقل سكاناً من الصين بكثير وبما لا يقارن، ومن بينها بلدان عربية للأسف، من النوادر المبكية المضحكة، حيث طوابير الخبز التي تبدأ مع ساعات الفجر الأولى، وحيث تضيق المستشفيات عن تقديم العلاج الأساسي، وحيث الأمية في تزايد، والتعليم في تراجع، فكيف بالصناعة والدخل القومي والميزانيات العاجزة والديون الداخلية والخارجية على السواء!
ثم أن بلداً كالصين بتعداد سكاني يصل اليوم إلى مليار وثلاثمائة مليون نسمة، قد يشكل له مثل هذا العدد نقمة إذا عجز عن تلبية حاجاته الأساسية، غير أن الصين حولت هذا العديد السكاني إلى نعمة عن طريق استغلال ثروته البشرية في الإنتاج الزراعي والصناعي، فتحولت إلى قوة اقتصادية تعتمد على نفسها، وتضمن عن طريق هذه القوة، مكاناً محترماً في العالم، الذي لا وجود ولا احترام لغير الأقوياء فيه، واكتفاءً ذاتياً تحول لاحقاً إلى قوة تصديرية تخيف دولا صناعية متقدمة، ليس في مجال السلع التقليدية فحسب، بل حتى في مجال السلع غير التقليدية كالإلكترونيات والبرمجة والاتصالات وغيرها من السلع التي تتطلب علوماً وتقنية متقدمة، كانت حكراً على الدول الغربية وبعض دول آسيا التي سارت في ركبها كاليابان وكوريا وبمساعدات سخية في دول الغرب.
ثم ان هذا العديد السكاني يمثل سوقاً ويمثل جاذباً للاستثمار لا مثيل له في العالم، فيكفي لمصنع واحد مثلاً يصنع قمصاناً أو سجائر أو أدوات منزلية أو غير ذلك من متطلبات الحياة، ينتج مليونا أو حتى نصف مليون وحدة أو حتى أقل من ذلك، فيجد سوقاً رائجة لبضاعته وبالتالي لتحقيق مدخول وأرباح يضمن له الاستمرار والاتساع، ما يفسر تدافع الشركات العالمية إلى الدخول في السوق الصيني واستغلال الفرصة المتاحة مدفوعاً بعوامل القوة السكانية وتوفر الأيدي العاملة الرخيصة والمواد الخام، وما يفسر أيضاً نجاح الشركات الصينية وامتدادها حتى إلى خارج الصين وتحول بعضها إلى شركات عالمية ومتعددة الجنسية على السواء.
بلد مدهش حقاً، ولا بد أن الإبداع الصيني الحديث والحكمة الصينية القديمة تقف وراء هذا المنجز الحضاري للإنسان الصيني، ابتداءً من الدقة في التفاصيل مروراً بالنظافة والانضباط، وليس انتهاءً بالتفوق في الإنتاج والاقتصاد، ولا بد أن النظام السياسي الصارم، المتهم من الغرب دوماً بالانغلاق وبهدر حقوق الإنسان يعرف طبيعة هذه البلاد وناسها ومشكلاتها، فيديرها على طريقته الصينية، ليضمن لشعبه لا المكانة والقوة التي يستحقها بلد عريق كالصين، بل أيضاً القوت اليومي وفرص العمل والتعليم والصحة، فلا حرية مع الجوع ولا كرامة مع التسول.
أخيراً فإن رسولنا الكريم نصحنا قبل 1400 عام بطلب العلم ولو في الصين، وقد ذهبنا إلى الصين كي نتعلم، ولا شك فإن في الإبداع والحكمة الصينيين الكثير مما يمكن أن نتعلم منه، فالعلم ليس في الغرب وحده، كما أن الحرية ليست في الغرب وحده أيضاً، حتى مع القول الشهير ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
رئيس تحرير جريدة جلف نيوز ـ دبي