انتهت أعمال القمة العربية في دورتها العشرين بدمشق، دون عراقيل ودون صخب يفجّرها، وانتهى معها بنجاح نسبي جدول الأعمال الذي كان بانتظارها منذ فترة طويلة، في مناخ وبيئة أكثر قابلية للنجاح في علاج الملفات الشائكة التي وضعت على طاولة البحث من فلسطين ولبنان إلى العراق وصولاً لقضايا التعاون والعمل العربي المشترك على كافة الأصعدة والجوانب، فخرجت القمة بنتائجها تحمل خطاباً سياسياً عربياً معتدلاً، لا كما تصورته الإدارة الأميركية خطاباً زاحفاً ولاهثاً، بل كما كان يجب أن يكون، خطاباً متناغماً ومنسجماً مع الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة بالنسبة للصراع العربي الصهيوني، وقضايا المنطقة بما في ذلك لبنان والعراق.

كما وانتهت أعمال القمة العربية، بنجاح نسبي انتصرت فيه لفلسطين وشعبها، عبر تجديد الإجماع العربي بدعم وإسناد الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل، ودعم صموده على أرض وطنه، دعماً سياسياً ومادياً ملموساً، خصوصاً في المرحلة الصعبة الراهنة التي يواجه فيها الفلسطينيون نار الاحتلال وعدوانه المتواصل وحصار الجائر من جانب، ونار الانقسام والتفتت الداخلي من جانب أخر مع تواصل الانقسام السياسي العميق بين قطبي المعادلة الفلسطينية، حركتي فتح وحماس.

كما انتهت أعمال القمة، وكم تمنى الفلسطينيون منها، خطوات أكثر ملموسة في دعم وإنجاح المبادرة التوافقية اليمنية التي قدمها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في صنعاء، ووقعت بأحرفها الأولى بانتظار ترجمتها على أرض الواقع لإنقاذ الساحة الفلسطينية من التفتت والانقسام السائد منذ يوليو 2007. فالمبادرة اليمنية التي صيغت بعد مشاورات عميقة أجرتها قيادتي حركتي فتح وحماس طوال الشهرين الماضيين ما زالت إلى الآن جنيناً طرياً في مراحلها الأولى، كانت وما زالت تنتظر توافقاً عربياً لاعطائها وتزويدها بطاقة الدفع نحو الأمام، وهو ما كان مأمولاً من قمة دمشق العتيدة، بالرغم من التطرق إليها في نقاشات ومداخلات القادة العرب تحت قبة القمة.

وغني عن القول أيضاً، بأن المناخات والأجواء الفلسطينية الداخلية التي سبقت أعمال القمة كانت توحي بأن شيئاً ما سيكون قادماً مع أعمال المؤتمر لجهة إسباغ الشرعية العربية على وثيقة صنعاء بين حركتي فتح وحماس، بل وذهبت بعض المصادر القيادية الفلسطينية من فتح وحماس والجبهة الشعبية على حد سواء، للقول بأن محاولات كانت تبذل بشكل جدي لترتيب لقاء هام بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في دمشق على هامش أعمال القمة، إلا أن غياب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح عن أعمال القمة في الساعات الأخيرة، أطاح بمناخات التفاؤل، وخلق انطباعات مغايرة سارت باتجاه التخوف من انفراط عقد وثيقة صنعاء لتصبح وثيقة ميتة لا حول ولا فعل ولا تأثير لها.

وفي هذا السياق، وفي العودة لوثيقة صنعاء، لم يكن متوقعاً لمحادثات اليمن بين وفد حركة حماس ووفد منظمة التحرير الفلسطينية التي طوال الأسبوع الثاني من مارس 2008 الجاري، أن تخرج بالجديد سوى التوصل إلى توقيع اتفاق عام لمواصلة الحوار بين حركتي فتح وحماس في سياق المبادرة اليمنية، وذلك على ضوء المقدمات التي هيأت للمحادثات بعد أخد ورد استطال فترة ليست بالقصيرة، فالنتائج تكون دائماً من نفس جنس المقدمات.

والمقدمات تقول بأن النوايا الحقيقية للحوار الجاد ما زالت غير متوفرة وتخضع لاعتبارات أوسع من دائرة البيت الفلسطيني بفعل العوامل الخارجية التي أثرت تأثيراً كبيراً، ولا تزال تؤثر، في الشأن الفلسطيني الداخلي، بما في ذلك في تعميق الانقسام الداخلي، ووضع العراقيل في وجه أي انطلاقة جدية لحوار مصالحة فلسطينية فلسطينية وإعادة توحيد البيت الفلسطيني الداخلي، فما زال السيف مسلطاً من قبل الاحتلال والإدارة الأميركية لكبح الرئاسة الفلسطينية عن أي توجه جاد وصادق للحوار الوطني، لان أي اتفاق حقيقي وتام يمكن أن يتمخض عنه سوف يقود بالتأكيد إلى مراجعة شاملة لمسيرة العمل والأداء الفلسطيني.

كاتب فلسطيني ـ دمشق