الحوار الدائر بين الدكتورة عائشة النعيمي والدكتور عبدالخالق عبدالله عبر صحيفة الخليج حول حرية الصحافة في الإمارات العربية المتحدة حوار مهم وضروري أن يستمر وأن يتسع ليشمل مزيدا من الآراء والمداخلات، إنه حوار حضاري وراق وفيه كثير من الصراحة لعلها تنعكس إيجابياً على حرية التعبير وأداء الصحافة ودورها في البناء والتنمية والاستقرار، جانب آخر مهم في هذا الحوار يأتي في حقيقة أن ما يقال عن حرية التعبير وواقع الصحافة في الإمارات يكاد ينطبق على دول عربية كثيرة.

خاصة الخليجية منها، إذا استثنينا لبنان والكويت لظروف تاريخية وسياسية يطول الحديث فيها. فمبدأ المطالبة بمساحة أوسع للحوار والرأي الجريء واحد.

وحرية التعبير وتطوير أداء الصحافة ووجود صحافيين وكتاب مهنيين يدركون مسؤولية المهنة تأتي من شروط الإصلاح المرجوة في المنطقة كلها، لكن الراصد لواقع الإعلام عموماً في الخليج لا يمكنه تجاوز المشكلة الكبرى وربما الأساسية والمتمثلة في ملكية الإعلام فهي إما رسمية (تحت تصرف وإشراف الحكومة) أو شبه رسمية (من خلال امتلاك شخصيات سياسية نافذة بشكل مباشر أو غير مباشر لوسائل الإعلام) وهذا النوع من الملكية يصبح مشكلة مهنية حينما تغيب استقلالية الإعلامي فيصبح بأشكال كثيرة تحت رحمة المالك وتحت تصرفه وحسب توجيهه.

فالفصل بين الملكية والمحتوى لم يتحقق لأغلب وسائل الإعلام في العالم العربي لأن أساس عمل كثير من تلك الوسائل، إن لم يكن أغلبها، يخضع لرؤية (و أحيانا لمزاج) السياسي (تحت قبضة الحكومة ومن أجل تحسين صورتها أو لخدمة مصالح وتوجهات بعض السياسيين أو الطامعين في لعب أدوار سياسية) أو تجاري يسعى للربح السريع حتى وإن كان على حساب المهنية والمسئولية الأخلاقية للإعلام.

هذا الاحتكار الواضح في ملكية وسائل الإعلام عموماً ـ في ظل غياب الاستقلالية المهنية ـ قاد إلى تقلص كبير في حرية الرأي ومهنية العمل الصحافي وتحولت الصحافة بسببه إلى ذراع سياسية أو تجارية يتحكم بها «الناشر» لخدمة مصالح ضيقة لفئة محدودة. ومما زاد في تعميق المشكلة هو غياب الأصوات المطالبة بحرية الرأي وبمساحة أوسع للتعبير والعمل الصحافي المهني والمستقل. فكيف لمستفيد من هذا الاحتكار أن يتبرع بالتنازل عن أداة من أدوات القوة التي تخدم مصالحه وغاياته؟ ومن المستفيد من تغييب الأصوات الناقدة أو ذات الرؤية المختلفة أو صاحبة توجهات فكرية غير مرغوبة من قبل بعض الأسماء النافذة؟

صحيح، كثير منا (خاصة في دول الخليج العربية) يراهن على بعض القيادات الوطنية الواعية كي تشمل مبادراتها الإصلاحية حرية التعبير وتطوير أداء الصحافة لأن المصلحة العامة (بما في ذلك مصالح الأنظمة السياسية نفسها) تتطلب مزيد من الانفتاح ومزيد من التسامح مع الرأي الناقد ومع الأفكار الجديدة حتى وإن اختلفت فيما بينها أو اختلفت مع الموقف الرسمي.

من هنا تأتي أهمية استثمار أي فرصة للإلحاح (من منطلق الصدق مع النفس والمجتمع) على أهمية المطالبة بمزيد من الحرية والمهنية لوسائل الإعلام في بلداننا.

في مقاله بعنوان «حرية الصحافة في الإمارات: المسؤولية رباعية» المنشور بصحيفة الخليج (25 -3 ـ 2008)، يؤكد الدكتور عبدالخالق عبدالله أن «الحكومات في كل مكان عادة ما تضيق بالحريات وخاصة حرية الصحافة وتسعى للحد منها وتقييد مجالاتها وفقاً للقوانين والتشريعات، ومن خلال الترغيب كما الترهيب.

لم تكن الحكومات في أي وقت من الأوقات نصير الحريات ولن تكون.

هذا الصراع أزلي بين الحكومات والحريات على مدى التاريخ وسيستمر طويلاً» هنا أتفق تماماً مع الدكتور عبدالخالق عبدالله. ولهذا يجب ألا نستغرب أن تتبدل مواقف البعض إزاء حرية الصحافة حسب مواقعهم السياسية، فالسياسي عادة يلعب دوراً مختلفاً عن المثقف وقد شهدنا في الخليج أسماء كثيرة كانت من أنصار حرية الصحافة وما إن تبوأت مواقع سياسية حتى بادرت بنقد الصحافة وضاقت ذرعاً بمطالبها.

أو لعلها فطرة إنسانية أن يضيق المرء بالنقد؟ وهنا تأكيد مهم على ضرورة أن يطالب أهل الرأي المستقل بمزيد من الحرية للتعبير الجاد والصادق عن هموم المجتمع ونقد أخطاء المؤسسات التنفيذية.

غير أن الأهم، في هذا الشأن، هو أن تدرك المؤسسة السياسية العليا ـ كونها الأكثر قدرة على التغيير لتحكمها بأغلب أدوات التغيير ـ أن مصلحتها الإستراتيجية أن تمارس الصحافة دوراً أكثر فاعلية في الرقابة والنقد والكتابة المسؤولة. هذه المصلحة تنبع من حقيقة أزلية مفادها أن النقد ونقد الذات تحديداً ضرورة حضارية وقد تكون واحدة من ضمانات الاستقرار السياسي مستقبلاً.

لقد تغيرت ظروف المجتمعات الخليجية وتعقدت قضاياها وإشكالاتها. والإدارة السياسية الراهنة تتطلب وعياً بتلك المتغيرات ليس فقط لأن جيل اليوم قد أتيحت له فرص التعليم والإطلاع ـ وبرؤية ناقدة ـ على ما حوله داخل حدود بلاده وخارجها ولكن أيضاً لأن تقنيات العصر قد أوجدت بدائل إعلامية كثيرة وسهلة للتواصل وللتعبير. فهل تتسع صدورنا ـ وآفاقنا ـ للنقد المحترم والمسؤول عبر وسائل إعلامنا أم نترك المسألة للإعلام الآخر (بجيده ورديئه) كي يتيح منابر أخرى لمناقشة قضايانا وهمومنا وتطلعاتنا؟

قلتها من قبل وأكررها هنا: الإمارات العربية المتحدة كانت وما زالت سباقة في مشاريعها الاقتصادية الضخمة وفتحت أبوابا واسعة للمنافسة الاقتصادية والإبداع في مشاريع عقارية ضخمة على مستوى المنطقة كلها. ودبي اليوم تقود مشاريع حيوية للتغير الإيجابي والضروري للمنطقة كلها على أكثر من صعيد.

ولهذا لا أستغرب ـ وأتمنى أن يتحقق ذلك قريباً ـ أن تكون دولة الإمارات أيضاً سباقة ورائدة في مشروع حضاري في غاية الأهمية وهو تطوير أداء وسائل الإعلام وإفساح مساحات أوسع للرأي والنقد والتفكير والتعبير. فهل تكون الإمارات بوابة الإصلاح الحقيقي لأداء وسائل الإعلام في الوطن العربي؟ ولم لا؟

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu