بأي منطق تواصل قيادة السلطة الفلسطينية التفاوض مع إسرائيل بينما هي مقتنعة تماماً بأن المسار التفاوضي لا يقودها إلا إلى سراب إسرائيلي بعد سراب؟
تأمل أحدث تصريح لكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات عشية أحدث اجتماع بين الرئيس الفلسطيني محمود أبو مازن ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، لقد سرد عريقات قائمة من العلامات والشواهد ما يثبت أن إسرائيل لا ترى للعملية التفاوضية هدفاً سوى أن تكون ستاراً دخانياً للتغطية على أجندتها الخاصة بشأن المصير النهائي للشعب الفلسطيني، مصير إلقائه خارج مجرى التاريخ.
من أبرز ملاحظات عريقات ما يلي:
ـ أن الوعد الإسرائيلي الذي قطعه أولمرت على نفسه في حضور وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بإزالة 50 حاجزاً وساتراً في أنحاء الضفة الغربية ليس سوى كذبة.
ـ أن هناك مخططاً إسرائيلياً معتمداً ومطبقاً على الأرض منذ سنوات لخنق ومحاصرة جميع المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بشكل محكم وتحويلها إلى جزر ومعازل.
ـ أن الحكومة الإسرائيلية نشرت وتنشر عشرات المناقصات الرسمية لبناء مئات من الوحدات الاستيطانية اليهودية في أراضي الضفة والقدس الشرقية.
إجمالاً يقول عريقات إن إسرائيل لم تف بأي من التزاماتها في خطة «خريطة الطريق» وتعتمد «سياسة المماطلة والتهرب وإدارة حملات علاقات عامة لمخادعة وتضليل المجتمع الدولي».
إذن نتساءل: «لماذا.. وعلى ماذا التفاوض؟
كافة الملاحظات التي أوردها كبير المفاوضين الفلسطينيين ليست فقط صحيحة كعلامات وشواهد بل هي مكشوفة ومعلومة للعالم كافة ومن قبيل الإنصاف للعدو ينبغي أن نقر بأن إسرائيل لا تتوخى السرية في تنفيذ مخططاتها وإنما تتوخى الإعلان العمد.
هنا نصل إلى محطة اللا منطق. فإذا كانت العلامات والشواهد معلنة على الملأ، وإذا كانت القيادة الفلسطينية برئاسة أبو مازن ليست فقط مقتنعة بأن السياسة الإسرائيلية المعتمدة هي «المماطلة والتهرب» بل تقر علنا بهذه القناعة فلماذا إذن تواصل ممارسة العبث التفاوضي مع الجانب الإسرائيلي؟ وماذا تأمل أن تحقق من وراء هذا العبث؟
لقد كانت الدعوة إلى العملية التفاوضية القرار الرئيسي لمؤتمر أنابوليس الدولي، وبناء على هذا القرار حدد المؤتمر الهدف المطلوب من هذه العملية ألا وهو التوصل إلى اتفاق لإنشاء دولة فلسطينية كاملة الاستقلال وقابلة للحياة، لكن الآن وبعد انقضاء نحو أربعة شهور على أنابوليس لا ترفض إسرائيل فحسب التفاوض حول قضايا الوضع النهائي الذي يمهد لقيام الدولة الفلسطينية بل الأخطر من ذلك هو أنها نسفت الهدف النهائي للعملية التفاوضية. فالقادة الإسرائيليون يقولون الآن إن الهدف التفاوضي ليس التوصل لاتفاق بشأن الدولة الفلسطينية وإنما اتفاق على «إعلان مبادئ»، وهكذا تنتقل إسرائيل بفريق التفاوض الفلسطيني من عبث إلى عبث.
تأسيسا على هذا الوضع اللا منطقي يبدو أن رئاسة السلطة الفلسطينية قد سلمت إرادتها بالكامل للأجهزة الأميركية، ولنتوقف في هذا الصدد عند تصريح زكريا الزبيدي أحد القادة السابقين لفصيل «كتائب شهداء الأقصى» يقول الزبيدي: حاكم الشعب الفلسطيني الحقيقي الآن هو الجنرال دايتون ممثل الولايات المتحدة في الأراضي المحتلة.