مع مرور خمس سنوات على سقوط بغداد بيد قوات الاحتلال، يبدو العراق أبعد ما يكون عن سكّة العافية. بل هو يقف على «حافة الهاوية»، على حدّ تعبير رئيس الحكومة، نوري المالكي، في كلمة له يوم السبت الفائت. توصيف، يقرع ناقوس الخطر على نحو غير مسبوق؛ لمجرد صدوره عن رئيس الوزراء. ولو أنه لم يأت بجديد.
فأن يتحدث مسؤول، من هذا العيار وبمثل هذه الصراحة واللهجة التحذيرية؛ معنى ذلك أن كيل قدرة البلد على الاحتمال، قد طفح. كما يعني أيضاً بأن هناك خطوات وخيارات وتوجهات نوعية وذات طابع حاسم، على وشك أن يشهدها الوضع. وربما تكون، هي أو بعضها، قد دخلت حيّز التنفيذ.
إن وصول العراق إلى هذه اللحظة الفاصلة والمشحونة بالخطر، الذي أشار إليه رئيس الحكومة، كان عملية تحصيل حاصل. فالسياسات التي اعتمدها الاحتلال الأميركي، من البداية، كانت في نهجها وحصيلتها تفكيكية. ارتكب أخطاء وخطايا قاتلة للعراق. أوساط أميركية عديدة، رسمية وغيرها، اعترفت بذلك.
أخطر ما أدّت إليه ـ من جملة ما أدّت ـ كان مساهمتها في تأجيج المناخات الطائفية ـ المذهبية. كذلك كانت سياسته القائمة على تغليب كفة الحلول الأمنية، على كفة الحلول السياسية. الأمر الذي ساهم في تعزيز ثقافة الميليشيات وتفريخ التنظيمات المسلحة؛ وبالتالي تغليب منطق الأمن الذاتي الضيّق، على منطق الدولة والقانون.
لكن الاحتلال، بطبيعته تخريبي. المؤسف والمؤلم أن الساحة الداخلية، شكلت أرضية خصبة للتخريب، الذي ارتدّ في بعض جوانبه على المحتل نفسه. لكن بعد أن غار الجرح عميقاً في الجسم العراقي. والسبب الرئيسي في ذلك تمثل، من البداية، في جعل المصالحة الوطنية، بمثابة البضاعة الكاسدة.
المحاولات الكثيرة التي جرت في هذا الخصوص، من لقاء مكة المكرمة، إلى القاهرة، والجامعة العربية؛ وقبل أسابيع قليلة في بغداد؛ كلها بقيت، إما منقوصة وإما حبراً على ورق. استبدت بها حسابات، تراوحت بين سياسات التحصين الذاتي المفدرل؛ وبين سياسات الإقصاء والإلغاء.
تحققت مكاسب متجولة ومتقطعة؛ لهذا الطرف أو ذاك. لكن العراق بقي الخاسر الأكبر. بقي المسرح النازف. الأمر الذي فاقم من انكشافه الأمني، الداخلي والخارجي. جبهته الشمالية، كادت أن تتحول إلى جبهة حرب، مفتوحة على كل الاحتمالات؛ مع الاجتياح التركي؛ قبل شهر ونيّف. وفي الأيام الأخيرة كادت البصرة أن تتحول إلى جبهة قتال داخلي، مفتوح هو الآخر على المزيد من النزف والانهيارات.
صحيح أن الوضع الأمني قد سجّل قدراً من التحسن النسبي، مؤخراً؛ لكن الصحيح أيضاً أن العملية السياسية لا تزال على انسداداتها. ناهيك بالوضع الميليشياوي المتفاقم. ارتفع في الأيام الأخيرة مطلب حل الميليشيات، لحصر السلاح بالدولة فقط. وهو مطلب مشروع. بل بحكم الضرورة.
لكن التحدي يبقى في كيفية تحقيقه. التجربة، وفي العراق بالذات، تقول إن الحلول السياسية هي الأضمن والأقل كلفة. والمدخل، كان ولا يزال، في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة؛ وذلك قبل أن تتساقط الحلقات الباقية في البناء العراقي ويخرج الجميع في صفوف الخاسرين.
