الحقيقة لا نعرف إذا كانت أحداث العراق في الأيام الأخيرة من مارس كانت طريقة التيار الصدري وجيش المهدي في التذكير بمرور خمس سنوات على الاحتلال أم أنها طريقة الحكومة العراقية بالتذكير بجهودها في المصالحة الوطنية .

منذ أسبوع وأكثر اندلعت في العراق وتحديداً في مدينة البصرة واحدة من أكثر المواجهات دموية بين قوات جيش المهدي والقوات الحكومية متمثلة بالجيش العراقي والشرطة والتهبت الشرارة الأولى في مدينة البصرة ثم سريعاً انتقلت إلى باقي مدن الجنوب الكبرى الناصرية والعمارة والكوت والديوانية والحلة وحتى كربلاء وأطراف مدينة النجف .

وفي ذات الوقت كانت تجري اشتباكات في المناطق ذات الأغلبية الشيعية في بغداد وتحديداً في مدينه الصدر والشعلة والكاظمية . كذلك تطورت دراما الأحداث بسابقة غير مألوفة وهي عمليات قصف بالهاونات على المنطقة الخضراء إلى الدرجة التي حولتها إلى منطقة سوداء يعتليها الدخان .

هذا الأسبوع الدامي اختتم ببساطة عندما أمر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أتباعه بإلقاء السلاح ومن جهته أمر رئيس الوزراء نوري المالكي بالعفو عن من يلقي السلاح وبدأت منحنيات العنف تنخفض .

خاصة بعد رفع حظر التجوال في معظم مناطق بغداد ومحافظات الجنوب . هذا التطور يجعلنا نقف طويلاً ليس فقط متألمين لهذا الاستهتار بأرواح العراقيين والذبح والفقر والمرض والتهجير ليضيف الزعماء السياسيون والدينيون بمزايداتهم كوارث أخرى .

ما الفائدة التي جنتها الحكومة من عملية الهجوم على معاقل جيش المهدي في الجنوب ؟ وما الذي حققه الصدريون من معاركهم واشتباكاتهم ؟ هل ما جرى في الجنوب هو عملية تبادل للرسائل بين التيارات السياسية العراقية ؟ أم انه تبادل للرسائل بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في العراق ؟

هل هو تصفية حسابات قبل الانتخابات المحلية المزمع عقدها في أكتوبر ؟ هل أنها محاولة من قبل المالكي لإثبات الذات والظهور بمظهر الدكتاتور العسكري الحازم في تصفية خصومه ؟ أم أن التيار الصدري أراد أن يؤكد لحكومة المالكي أنهم رقم صعب في معادلة الأمن والاستقلال في العراق ؟

ولكن السؤال الأخطر هو أين اختفت عمليات القاعدة أثناء الاشتباكات الشيعية ÷الشيعية في البصرة والجنوب وبغداد في حين أنها استأنفت نشاطها بعد وقف إطلاق النار الأمر الذي يجعلنا نعيد التفكير في من يلعب لعبة النزاعات المسلحة والقتل في العراق والذي يبدو أنه ليس تنظيماً أو تياراً بقدر كونه استراتيجية كبرى لدول تتصارع فيما بينها على مسرح صار الأفضل لتصفية الحسابات الطويلة.

كل تلك الأسئلة السابقة يمكن الإجابة عنها بسهولة لو ثبتنا الحقائق التالية :

أولاً: إن عمليات البصرة كانت خطة معدة مسبقاً من قبل حكومة المالكي للقضاء على جيش المهدي الذراع العسكرية للتيار الصدري والذي بات نفوذه في الجنوب يتعاظم خاصة وان معظم العشائر الكبرى في الجنوب وجدت في هذا التيار بديلاً عن نفوذ حزب الدعوة والمجلس الأعلى الذي تجده هذه العشائر انه أكثر قرباً من إيران .

ولكن هذه الخطة تم تسريبها بدليل أن وزير الدفاع العراقي اعترف أن (قوات الجيش فوجئت بمقاومة جيش المهدي العنيفة والمنظمة )علماً أن ميليشيات جيش المهدي كانت ولفترة طويلة في هدنة مع الحكومة كما وأن الحكومة العراقية كانت تلمح إلى أنها عازمة على إجراء عمليات تصفية لتنظيم القاعدة في الموصل وهي بذلك كانت تحاول ذر الرماد في العيون عن عمليتها المؤكدة في الجنوب ومع هذا فإن تسريباً في المعلومات العسكرية أدى إلى أن تخسر الحكومة التفوق اللوجستي والعملياتي .

علما أن عمليات البصرة لم تجر إلا بعيد زيارة ديك تشيني إلى العراق ولقائه بالحكومة العراقية ويبدو أن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر للحكومة للقيام بهذه العملية . كما ان القصف الجوي المكثف الذي قامت به الطائرات الأميركية على مدينة الصدر معقل أتباع التيار الصدري في بغداد كان له دور في إنقاذ القوات العراقية من تخبطها في الجنوب خاصة ان مقتدى الصدر بعد عمليات القصف تلك أمر أتباعه بإلقاء السلاح.

ثانياً : الحكومة العراقية أرادت أن تعود إلى بغداد بنصر حاسم يقوي نفوذها الذي صار أو هي من بيت العنكبوت ويكسر شوكة ونفوذ التيار الصدري الذي يعد واحداً من أهم التيارات السياسية ذات النفوذ في الشارع العراقي الشيعي بالتحديد والأغلبية في البرلمان. ولكن يبدو أنها عادت بأزمة كبيرة تنذر بصيف ساخن ينتظر حكومة المالكي .

خاصة وأن التيارات الشيعية صارت تنظر للمالكي على أنه بدا يلبس رداء الدكتاتور البرغماتي الذي يهوى القضاء على الخصوم حتى لو كانوا يوما ما حلفاء تحت خط واحد . وبالتالي فإن المالكي سيبدأ بعد خراب البصرة أولى خطواته نحو النهاية .

ثالثاً : إن العمليات العسكرية انتهت بنتيجة لا تقبل اللبس وهي إضعاف سلطة الحكومة وقوة وتأثير التيار الصدري في الجنوب وهذا ما سوف يترسخ خلال الأيام المقبلة خاصة وأن هناك صراعات انتقامية سوف تقوم في الجنوب بين العشائر العراقية والتي تعتبر دعامة مهمة للأمن في الجنوب.

وبالتالي فإن خلخلة الأمن في الجنوب مضاف إلى خلخلة قوة الدولة سوف يكون لصالح إيران التي سوف تستفيد من معادلة الأمن في الجنوب لصالح توسيع نفوذها فيه وإقصاء أي دور معرقل سواء من قبل العشائر العربية في الجنوب أو من قبل قوات الاحتلال والحكومة العراقية.

أخيراً ولكي نرفع علامات الاستفهام عن كل المفارقات والتناقضات لما جرى في أسبوع مارس الأخير الدامي في العراق نقول إن كل الحيثيات تدور في إطار إستراتيجية الصراع الأميركي الإيراني في العراق وأن أدوات الحكومة أو التيارات السياسية الأخرى هي أدوات ودمى خيطية تحركها استراتيجيات النفوذ الخارجي الإقليمي والدولي فالذي جرى في البصرة وانتشر سريعاً كالنار في الهشيم هو في الحقيقة رسالة تهنئة على الطريقة الإيرانية للقوات الأميركية بمناسبة الذكرى الخامسة لاحتلال العراق محتواها أن إيران تملك القدرة على تحريك الأزمة والصراع في العراق متى تشاء وإيقافها متى تشاء .

وهذه الرسالة سلمت للإدارة الأميركية في المنطقة الخضراء المحصنة التي تحتوي السفارة الأميركية.

والرسالة الثانية كانت موجهة إلى الحكومة العراقية وتحديداً إلى المالكي بأن قانون الأقاليم يجب أن يتم تمريره سريعاً وترتيبه بالطريقة التي تريدها إيران علماً أن هذا القانون هو بالأساس اقتراح أميركي إلا انه لو تم تمريره وصياغته بالطريقة الإيرانية فإن الإدارة الأميركية وقواتها في العراق والحكومة العراقية سوف تكون أول من سيذوق سمه الزعاف.

كاتبة عراقية