منذ بداية التسعينات من القرن الماضي قام الإعلام والساسة الغربيون بتقسيم العراق إلى ثلاث ديموغرافيات، في الشمال والوسط والجنوب، هدفت الإدارات الغربية إلى تقسيم العراق بل تفتيته بهدف إضعافه لتسهيل غزوه واحتلاله، الحوافز الداخلية ليست نبيلة وتتمثل بتحقيق الأطماع في خيراته الطبيعية والبشرية وموقعه الاستراتيجي المهم.

إضافة إلى إقصائه عن حلبة الصراع مع إسرائيل وتخليه عن عضويته الفعالة في الأسرة العربية الكبيرة، قُسّم العراق جوياً إلى ثلاثة أجزاء رئيسية هي الكردية والشيعية والسنية وفي ذلك برعت أبواق الدعاية والإعلام الغربية، الأنجلو ـ صهيو ـ أميركية بصورة خاصة، في ترسيخ وتعميق صورة العراق المقسم إلى ثلاث مناطق وعلى مدى ما يزيد على عقد من السنين وعلى مدار الساعة تُروى تفاصيل الأخبار عن العراق تحمل في ثناياها تلك التقسيمات الإثنية المصطنعة الجديدة.

في العام 2003 وبمبررات وهمية قائمة على أكاذيب ملفقة قامت الولايات المتحدة بقيادة تحالف لغزو العراق، وأضيفت حجج ومبررات أخرى للتمويه والتغطية على ما سبق من حوافز وطموحات آخرها تحرير تلك الإثنيات العراقية من قبضة النظام الحاكم، يعلم المخططون للغزو والاحتلال علم اليقين ما يحتويه العراق من إثنيات قابلة للانفصال والتمرد بمجرد حصولها على الحد الأدنى من الدعم.

ومنذ البداية كشف الاحتلال الأنجلو ـ أميركي عن نواياه في تقسيم البلاد وأهلها، وشرع الاحتلال في الترويج لفكرة الأقلية والأكثرية والخوض في استنهاض فئات عراقية سياسية انفصالية لم يكن يُسمع بها من قبل وبسرعة قياسية انقسم المجتمع العراقي على نفسه ما بين مسلم ومسيحي وسني وشيعي ويزيدي وصابئي وكردي وتركماني وآشوري وكلداني وعربي وفارسي.

إلى جانب التقسيمات الدينية والمذهبية التقليدية ظهرت تقسيمات أخرى تتبع شخصيات سياسية ومذهبية وحزبية، ووُلدت هذه التقسيمات في الصحافة وأبواق الدعاية والإعلام الغربي قبل أن تنتقل إلى الإعلام المحلي والإقليمي والعربي والدولي وانتشرت ظاهرة الولاء والانتماء إلى أشخاص وأئمة مذاهب دينية وعرقية سياسية.

في ذلك ظهرت الكتل الصدرية والحكيمية والطالبانية والسيستانية والبرزانية والهاشمية (نسبةً إلى طارق الهاشمي) والضاريّة (نسبةً إلى حارث الضاري) وغيرها تقود جميعاً تمثيلاً لفئات مذهبية أو دون ـ مذهبية دينية أو عرقية قابلة للتصارع طويلاً في الساحة العراقية.

رسمياً رسّخ الحاكم المدني الاستخباراتي الأميركي السيد «بول بريمر» التقسيمات أعلاه بتبني نظام المحاصصة الطائفية، بعد أن حل الجيش العراقي السابق والأجهزة الأمنية للدولة، وتؤدي هذه الخطوة إلى ترسيخ وتعميق وتوسيع هوة الخلاف والاختلاف بين الفئات المتناحرة مما يبقيها في حاجة ماسة إلى وجود قوة استعمارية «محايدة» على مسافة واحدة من تلك الأطراف على أرض الرافدين.

القوة الاستعمارية متوفرة على شكل جيش قوامه أكثر من مائة ألف عنصر يدعم تشكيلات إدارية وفنية تستبيح العراق أرضاً وشعباً وتاريخاً وثقافة وقوى بشرية إلى أجل غير مسمى، والعراق مقسّم عملياً إلى عدد لا حصر له من الدويلات الإثنية داخل الدولة الرمز الأكبر، وبدورها انحسرت رموز الكيان السياسي الناشئ على هامش الغزو الأنجلو ـ أميركي في عدة مبان داخل المنطقة الخضراء وحيل بينهم وبين عموم الشعب العراقي.

بعد وقوعه في براثن الاحتلال شكّل العراق عامل جذب للأطماع الداخلية والإقليمية والخارجية بما تحمله من تجاذبات تضيف بؤساً على بؤس المشهد العراقي، كل فئة حزبية سياسية طائفية عراقية، وحتى تقف على قدميها، عليها أن تستعين بقوة إقليمية أو دولية مهما تكن الأخيرة صديقة أو ماكرة معادية، إلى جانب التواجد الغربي والإسرائيلي في الشمال تسابقت تركيا وإيران على الاعتراف بالكيان السياسي الكردي الجديد وفتح علاقات اقتصادية وتجارية واسعة معه.

ووصل الأمر بالساسة الأتراك والإيرانيين إلى درجة الاعتراف السياسي المقنّع بالنظام الكردي في الشمال العراقي بالرغم من الظروف الصعبة التي يلاقيها الأكراد في هاتين الدولتين. في الجنوب العراقي والعاصمة بغداد ونتيجةً للخصائص العرقية والمذهبية توسّعت دائرة التواجد والتأثير الإيرانية وأصبح الجنوب والشرق يُحسب ولو إعلامياً جزءاً من التمدد الإيراني الجديد بعد الاحتلال، وأخيراً هنالك تدخل من الدول العربية المجاورة وبشكل محدود، لكنه قابل للتضخيم والتهويل الإعلاميين.

يمر الجنوب العراقي في هذه الأيام بفترة مخاض عسيرة في مسلسل المخاض الذي وُضعت فيه جل المناطق العراقية على أيدي الاحتلال الأنجلو ـ أميركي. ما جرى ويجري في مدن كركوك وأربيل والموصل وتلعفر وغيرها في الشمال يجري تجريبه على مدن البصرة والسماوة والعمارة وكربلاء والنجف وغيرها بنفس الطريقة مع اختلاف ظاهري في السلوك العام. هنالك مشروع للاحتلال بدأت نذره بالظهور يُنفذ لإحداث فتنة وحرب أهلية طويلة داخل المذهب الواحد نفسه، سنياً كان أم شيعياً.

ما أُطلق عليهم بعد الاحتلال الصدريون أو أتباع التيار الصدري يصارعون صراعا دموياً عنيفاً أتباع التيارات السيستانية والحكيمية والمالكية وهلم جرا، الحرب الأهلية في العراق تأخذ أبعاداً ميدانية واتجاهات دون ـ مذهبية جديدة مضيفةً مهاجرين ومهجّرين ولاجئين وأيتاماً وأرامل وثكلى من هذا النوع أو ذاك!.

يد الاحتلال خاصة البريطاني واضحة في إذكاء الفتنة في المدن الجنوبية وبالذات مدينة البصرة، قاوم أهل البصرة الاحتلال البريطاني منذ اليوم الأول لدخوله إليها ورفع العلم البريطاني الاستعماري على بعض منشآتها السيادية والإدارية، ولا تقل مقاومة الشعب العراقي الجنوبي للاحتلال البريطاني ضراوة عن نظيرتها في الوسط والشمال لكن وسائل الإعلام تتكتم على ذلك.

لا بل إن مجمل الأخبار عن الجنوب العراقي جعل الرأي العام المحلي والإقليمي والعربي والدولي ينظر إلى البريطانيين والأميركيين كمحررين للطائفة الشيعية من النظام السني! في بغداد، الاستعمار البريطاني وبطريقته التقليدية المعتمدة على المكر والخبث والخديعة يريد أن ينتقم لمئات القتلى والجرحى من جنوده في الجنوب وبالذات في مدينة البصرة التي أذاقت المحتل البريطاني مرارة الهزيمة في شوارعها والضواحي والمناطق البعيدة.

ومثله مثل غيره من الحركات الشعبية العراقية، فالتيار الصدري تيار شعبي وطني مقاوِم للاحتلال وله قاعدة عريضة لا تقبل كل أشكال الاحتلال والتبعية له، وتذوق مدينة البصرة حالياً مرارة الانتقام البريطاني الذي لا يفرق فيه بين أطفال ونساء وشيوخ ورجال ومسلحين مقاومين أو إرهابيين مفترضين خارجين على القانون.

أثبتت السنين الخمس الماضية أنه لا يمكن تقسيم العراق حتى وهو رازح تحت احتلال غاشم همجي كالاحتلال الأنجلو ـ أميركي وبوجود مكثف لنزعات سياسية انفصالية قوية.

الفئات العراقية متعايشة ومتجاورة ومتصاهرة وتحتاج بعضها بعضاً كل يوم وعلى مدار الساعة. يحتاج الكردي إلى العربي والعكس، ويحتاج السني إلى الشيعي والعكس بالعكس؛ ينسحب الأمر على الفئات العراقية الأخرى، والمياه والجغرافيا والمصادر الطبيعية والتهديدات الدولية والإقليمية والمحلية تزيد من حاجة أهل العراق إلى الوحدة والتوحد.

فعلياً يعني تقسيم العراق إنهاء وجوده الديموغرافي والتاريخي بشكل شبه كامل على الأقل، وذلك يعني التخلص من الأنهار والجبال والصحارى وحتى البشر المتواجدين على أرضه والطامحين لرؤية العراق قوياً واحداً موحداً، وفي الماضي البعيد والقريب لم تستطع قوة غاشمة كبيرة تقسيم العراق.

لا يقبل العراقي الشيعي والسني والكردي والمسيحي بالاحتلال الأنجلو ـ أميركي حتى وإن وعد الأخير بتحويل العراق إلى أرض للعسل واللبن، ومدنه إلى سنغافورات وهونغكونجات وجاكرتات أخرى بما فيها من مبان شاهقة وبروج تجارية مشيدة.

الاحتلال الأنجلو ـ أميركي في العراق زرع بذور رفضه ومقاومته بيديه، وهو لم يُدْعَ إلى ذلك البلد منذ البدء، ومن كان يحمل أملاً في الاحتلال الأنجلو ـ أميركي للمنطقة فإن الأخير مندحر وزائل، ومن كان أمله في العراق فالأخير باق لأهله وإقليمه وأمته ومنطقته الجغرافية، وهو لن يكون إلا هكذا.

جامعة الإمارات