قبل نحو عشرين عاماً قال الخبير الاقتصادي الأميركي الراحل جون غالبريث: إن منصب الرئاسة في الولايات المتحدة منصب رمزي احتفالي لا أكثر، بمعنى أن الرئيس الأميركي في كل الأحوال ليس سوى وسيط يتبنى سياسات وقرارات يتخذها أشخاص غيره في الخلفية يمثلون قوى خفية.

كان غالبريث يشير بصفة خاصة إلى القرارات المتعلقة بحرب فيتنام وتمديد أمدها، والتي كانت تصدر ظاهرياً عن الرئيس «الديمقراطي» ليندون جونسون والرئيس «الجمهوري» ريتشارد نيكسون خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فهل لا يزال حكم غالبريث ساري المفعول حتى الآن؟ من يتابعون حلقات كتاب «سقوط آل بوش» التي تنشر في بعض الصحف العربية (للمؤلف الأميركي غيريغ أونغر) سيجدون إجابة عن هذا السؤال.

يتحدث المؤلف عن قرار شن الحرب على العراق: كيف تبلور القرار، ومتى؟ وفي هذا الصدد يعود بنا إلى أحداث سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، والتي طالت مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع، حينئذ بدأت القصة، منذ تلك اللحظة كان كبار المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمن فيهم مدير الوكالة جورج تينيت وكبير خبراء محاربة الإرهاب ريتشارد كلارك، وعدد لا يحصى من المحللين المختصين على يقين بأن ما جرى في نيويورك وواشنطن كان هجوماً إرهابياً من تدبير بن لادن وتنفيذ تنظيم «القاعدة»، لكن على جانب آخر كان هناك عصابة «المحافظين الجدد» الذين يحيطون بالرئيس بوش.

سارع هؤلاء منذ اللحظة الأولى لأحداث التفجيرات إلى توجيه الاتهام إلى عراق صدام، ولأنهم يتحكمون في توجيه ذهنية الرئيس، فإن التطورات اللاحقة تتابعت على أساس هذا الاتهام، إلى أن بلغت ذروتها في 20 مارس 2003 ـ ليلة ضرب العراق تمهيداً لاحتلاله ـ هكذا دون أدلة حقيقية دامغة.

التفاصيل لا تخلو من إثارة. بعد ساعات فقط في يوم 11 سبتمبر 2001 بدأت الآلة الإعلامية لجماعة المحافظين الجدد نشاطها، حيث بث أحد رموزها على الإنترنت تقريراً يطالب إدارة بوش باستخلاص العبر من تردد بوش الأب في «إكمال المهمة وتحرير العراق».

ورغم أن الجماعة لم تكن تملك أدلة حاسمة لإثبات ادعائها بتحميل صدام حسين مسؤولية أحداث التفجيرات، إلا أن هذا لم يثنها عن مواصلة الدفع قدماً بمشروعها التدميري المعد سلفاً للعراق. وفي هذا السياق ظهر على شاشات التلفزيون ريتشارد بيرل أحد أكبر أعضاء جماعة المحافظين الجدد، قائلاً: «حتى وإن كنا غير قادرين على إثبات تورط العراق في الهجمات الأخيرة، إلا أننا نعلم تماماً أن لصدام حسين علاقات قوية مع بن لادن».

في تلك الأثناء تلقى الرئيس بوش تقريراً استخباراتياً أكد فيه معدوه عدم وجود أي دليل موثوق به حول وجود علاقة لصدام بهجمات 11 سبتمبر، وأنه ليس هناك من سبب للاعتقاد بأن عراق صدام يتعاون مع «القاعدة» سواء في الهجمات الأخيرة أو غيرها.

هنا يقول المؤلف: إن المحافظين الجدد صعدوا من ضغوطهم على الرئيس ليتجاهل ذلك التقرير تماماً ،ويمضي قدماً على طريق إعداد خطة لشن الحرب على العراق، وقد استجاب الرئيس وفعل، ومن ثم استكمل المحافظون الجدد سيطرتهم على مسار الأحداث، متخذين من الرئيس الأميركي واجهة.

لقد عاش غالبريث إلى أن رأى حكمه ينطبق على رئاسة بوش. فقد رحل هذا الخبير نادر المثال قبل نحو عامين فقط.