استئناف اللقاءات الدورية أمس بين الرئيس الفلسطيني، محمود عباس؛ وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت حصل جرياً على المألوف في ظلّ معادلة مختلّة. الأول جاء باستعداد للتفاوض الجاد،

والثاني جاء، كالعادة، بنيّة حرق الوقت. اختلال مزمن دأبت إسرائيل على ترسيخه، وتحويل المفاوضات معه إلى تمرين عبثي كما إلى خيار لا بديل عنه، وفي كل مرة يصطدم فيها هذا التمرين بالحائط المسدود، بسبب التخريب الإسرائيلي، يسارع الراعي الأميركي إلى مدّ حبل التعويم للتغطية من جهة على تحايلات تل أبيب؛ ومن جهة ثانية لضمان إعادة التفاوض إلى الدّوامة ذاتها من الدوران في الفراغ.

مسلسل متواصل من التكرار السقيم الرامي إلى تفريغ عملية السلام من أي مضمون، وتحويلها بالتالي إلى مجرد استمرارية شكلية، لا سقف لها ولا غاية. وقد تمّ تكريس ذلك من خلال الصيغة التي ابتدعتها الوزيرة رايس؛ والتي وضعت في إطار تفاهم على عقد «قمم دورية»، بين الرئيس عباس وبين أولمرت.

أمس حصل لقاء آخر في هذا السياق. الرئيس الفلسطيني، الذي كان قد أوقف العمل بهذا التفاهم، منذ الثالث من مارس الفائت، إثر مجزرة المحرقة الإسرائيلية في غزة، وافق أثناء زيارة الوزيرة رايس الأخيرة على استئنافها. أعطت هذه الأخيرة بعض الوعود، جرياً على العادة في مثل هذه الحالات؛ شكلت مدخلاً لمعاودة اللقاء مع أولمرت. لم تكن وعودها من صنف الالتزامات. كما لم تكن متعلقة بالقضايا الجوهرية.

دارت فقط، حول إقناع إسرائيل بإزالة خمسين من حواجزها في الضفة؛ البالغة حوالي 850 حاجزاً. وقد تبيّن فيما بعد أن معظم ما تمّ إزالته كان حواجز ترابية. أما عمليات الاستيطان المتواصلة، فلم تحظ من الوزيرة بأكثر من إشارة خجولة وغير مباشرة؛ من زاوية أنها «لا تساعد» عملية التفاوض. لا أكثر.

لم يسبق لواشنطن أن رأت في هذا الملف ما يستحق، على الأقل الإدانة. حتى لا نقول إدراجها في خانة العمل غير المشروع. طبعاً لم يكن من المتوقع من إدارة الرئيس بوش أن تكسر هذه القاعدة.

على هذه الخلفية، حصل الاجتماع الأول منذ 19 فبراير الماضي. الرئيس عباس ذهب، على ما ذكرت مصادره، بثلاثة بنود: موضوع المفاوضات حول القضايا الرئيسية، خريطة الطريق، موضوع غزة والعمل على استمرار التهدئة. أولمرت، حضر ومعه البند القديم - الجديد: بناء الثقة.

البند أيضاً من إخراج الوزيرة رايس، التي سبق وطلعت به خلال زياراتها السابقة؛ كتخريجة لتسويغ الجرجرة في المفاوضات وبالتالي جعلها أمراً مفهوماً؛ إن لم يكن مقبولاً. لم تفلح الوزيرة - بالأحرى، لم تشأ - في حمل إسرائيل على القبول بإعلان «تفهم» لحل الدولتين. ومن الطبيعي، في ضوء هذا التغاضي والاحتضان من جانب واشنطن، أن لا يحمل معه أولمرت إلى أي تفاوض، ما يتجاوز الألغاز والأوهام.

الوزيرة، بإعادة تركيبها لطاولة اللقاءات، لا يبدو أنها كانت معنية بأكثر من إضفاء طابع الحلحلة على المفاوضات، حتى لا يأتي الرئيس بوش، الشهر القادم، إلى إسرائيل لمشاركتها احتفالات تأسيسها؛ ويكون مشروعه في حالة انسداد. يبقى على الجانب الفلسطيني، معالجة أعطاب ساحته الداخلية المعروفة، كي يمكنه عندئذ مواجهة محاولات بيعه الأوهام باسم السلام. ما لم يحصّن ساحته الداخلية فسيبقى عرضة لمثل هذا التزييف.