الكبار لا يُخضعون عواطفهم وغرائزهم لأنء تنتصر على العقل، وبشهادة التاريخ وما خلفه من دروس مستفادة، شهدنا أوروبا تتعافى من الحروب الدينية، والأطماع الاقتصادية وتبدأ مرحلة الكتلة الكبرى، وننظر الآن الى العدوين اللدودين روسيا وأمريكا كيف عالجا مسائلهما العسكرية بعقل متزن توصل الى تشكيل وحدات عسكرية أوروبية، روسية، أمريكية، مشتركة بدلاً من مد حلف الأطلسي على الحدود الروسية واستثارتها، وهذا المؤشر يقنعنا أنه لا حروب عالمية، ولا حتى سباق تسلح يدفع بالشعبين لما عُرف ب "حافة الهاوية" لأن هموم كل دولة لم تعد حصراً على مَن البادئ بالضربة الاستباقية، وإنما بالقدرة على التعامل مع العولمة والتنمية وفق اشتراطاتها واختصاصاتها، ويبقى ميدان الحرب هوالعالم الثالث الذي استيقظ على جدولة عداواته واستنزاف موارده بشراء الأسلحة على حساب نشوء مجاعات وطنية، وإهمال لاقتصاد الاحتياجات الضرورية لحساب نزعاته العسكرية.
الإنسان، بطبيعته، مسالم وباني حضارة، لكن أن تتحرك نوازعه الذاتية ويضع العقل خلف المنطق، ويفاضل بين العصبة، والأهداف الوطنية، عندها يتحول الى أسير متوحش وهذا ما أحدثته الحروب الأهلية والنظامية، وخلق بيئات غير صالحة للأمان والحياة السوية.
هناك قوى صاعدة، وأخرى صعدت بعد هزائمها في الحرب العالمية الثانية، ولذلك نرى الصين تحاول إشباع السوق العالمي من كل منتج اقتصادي، وتتحرك على مستوى عالمي لتأمين احتياجاتها من الغذاء والدواء، والطاقة بعد أن تعدى دخل الفرد مستويات جيدة، لتكبر احتياجاته واستهلاكه، وهي تسعى الآن للاستثمار في المناطق البكر التي أهملتها الدول المترفة مادياً وغذائياً، ولذلك لم تجعل التسلح يدخل المفاضلة مع التنمية الاقتصادية، وإن وجِد الحافز لأنء تصبح تاجر سلاح وقوة عالمية عظمى.
كذلك الأمر باليابان وألمانيا ومعهما الهند، وحتى كندا واستراليا ممن تشكل اقتصاداتها نموذجاً في سرعة النمو والتطور، لا نجد مبيعاتها من الأسلحة تتعدى حدود ما هو مطلوب، وهذا الفكر المتقدم في التعامل مع الواقع، واستشراف المستقبل هو عنوان تكبر أهدافه كل يوم.
عربياً لدينا سياسة الحاجة للرصاصة قبل اللقمة، والوهم المتصاعد الذي لا نزال نعيشه أن الرصاصة هي الحارس لاستقلالنا السياسي والاقتصادي، لكن الاستخدام والهدف وحتى فاعلية القوة العسكرية، أصبحت تتجه الى رؤوس أبناء الوطن الواحد أي أن تفعيل القوة لم يعد وسيلة، ولذلك نشأت الانقلابات من خلال التسلح، وثارت الحروب الطائفية والعائلية، وتكاثرت المليشيات من خلال تقديم السلاح على الرغيف، وقطعاً إذا وجدت شعوب لديها القابلية في خلق النزاعات، فإن وسائل الحماية الأمنية، تتحول الى الضد، أي الى ضرب المنشآت والإنسان، ولو كان هناك من يشرّع للقوة في أيدي بعض الدول العربية لحولت الجيوش، وقوات الأمن الى الأمم المتحدة أو من ينوب عنها، حتى لا تخرج عن خطها وتصبح أدوات تخريب وقتال بيد أصحابها..
