ولاء الإنسان للدولة لا يولد معه، ولكنه يوجد متى ما وجد الإنسان من يربيه على هذا الولاء، ومن يعلمه أصوله وقواعده تلك التي تجعله لا يكن ولاءً لغير دولته حتى لو عاش على تراب غير ترابها، وتجعله مستعدا للذود والدفاع عنها متى ما كانت بحاجة إليه.
مفهوم المواطنة وارتباطها بالولاء للدولة هو ما دفع الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية ليصدر قرارا بتشكيل لجنة عليا لمقابلة أبناء الدولة المولودين من أمهات عربيات وهنديات ومن دول شرق آسيا والموجودين في تلك الدول واقتراح الحلول المناسبة لحالتهم، على أن تعد اللجنة البرامج اللازمة لتعزيز الهوية الوطنية لهؤلاء الأبناء ودعم انتمائهم لدولة الإمارات.
القرار الذي أصدره الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد قرار حكيم بالدرجة الأولى، فمن يحمل جنسية الدولة ويحمل في قلبه ما يمت لها بصلة يبقى له الحق في أن تهتم به دولته وترعاه وتؤدي واجباتها نحوه، سواء أقام فيها أم لم يقم، فهو في البداية والنهاية محسوب عليها.
كما يجيء القرار في الوقت الذي نشعر فيه بالأسى على أبناء المواطنين المقيمين مع أمهاتهم في الخارج الذين ربما يعيشون في حال لا تليق بأبناء الإمارات، وتجعلهم بعيدين عن المقارنة بأترابهم من المواطنين الذين يعيشون في كنف أسرهم هنا في الدولة. الثروة البشرية هي أغلى ما تملكه الأمم المتقدمة وتحرص عليه، وهو الأمر الذي لا تقبل التفريط فيه مهما كلفها الأمر، لأنها تدرك أن التفريط يعني ببساطة منح الآخرين الفرصة لاستقطاب ولاء أبنائها الذي تبقى هي أحق به.
ومن منطلق مبادرة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد وحرصه على تعزيز الهوية الوطنية لهؤلاء الأبناء ودعم انتمائهم لدولة الإمارات من خلال التعرف على احتياجاتهم وإيجاد حلول لمشكلاتهم، نتوجه إلى سموه برجاء النظر إلى أحوال أبناء المواطنات الذين يعيشون في الدولة بيننا، والذين هم بحاجة أكبر إلى الاهتمام والدعم، لاسيما وهم لم يعرفوا بلدا آخر غير الإمارات، ولم يقيموا في أرض سواها، ويحملون انتماءً لكل شبر فيها.
أبناء المواطنات بحاجة لمن يقترب من مشكلاتهم ويستمع إليهم، وهم أولى بأن نضمن ولاءهم لدولة يقيمون فيها لكنهم يشعرون بأن مفاهيم المواطنة لا تنطبق عليهم مثل أبناء المواطنين، رغم أن المواطنة وحقوقها تساوي بين كل إماراتي وإماراتية، لكنها تباينت عند قضية الزواج لصالح الرجل وضد المرأة.
أبناء المواطنين من أمهات عربيات أو أجنبيات ربما لا يكترث عدد كبير منهم بقضية الانتماء لدولة والده، خاصة إذا كان قد ولد في دولة والدته، ومنح جنسيتها وأسبغت عليه ما تسبغه على مواطنيها الأصليين، فهذا الابن لم يعد له ولاء يقدمه للإمارات، على خلاف أبناء المواطنات الذين فطموا على حب الإمارات، وعاشوا بين أهلها، وتعلموا فيها وما زالوا ينتظرون فرصة أن يكونوا مواطنين رسميا دون رحمة أو شفقة، بل باستحقاق يضمنه دستور الدولة لهم.
إذا كانت دولة الإمارات اليوم تكرم المرأة بمنحها حقوقا جعلتها تفوق نساء دول كثيرة، فما الذي يجعلها اليوم لا تحتضن أبناءها؟ الأم المواطنة لا تطالب بتجنيس زوجها كما يفعل الرجل عندما تحصل زوجته غير المواطنة على الجنسية، لكنها تطالب بحق مشروع لأبنائها في دولة تشكو خللا في التركيبة السكانية، وتسعى لتعزيز ولاء مواطنيها الذين تربوا في الخارج، فهل ما تطلبه كثير؟
إن ما نأمله من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان أن يصدر قرارا آخر بتشكيل لجنة عليا لمقابلة أبناء المواطنات الموجودين في الدولة واقتراح الحلول المناسبة لحالتهم، وكلنا ثقة بأن اللجنة لن تكون بحاجة لأي برامج تعزز الهوية الوطنية والانتماء لدولة الإمارات، لأنهم تربوا على ذلك من أمهات وضعن الدولة ومن فيها في أعينهن وقلوبهن.
