عندما يخرج جورج بوش من باب البيت الأبيض، فإنه سيترك أمام خلفه قائمة طويلة من المشكلات المخيفة، ليست أقلها ميزانية وزارة الدفاع التي تبلغ أكثر من 518 مليار دولار لا تتضمن حتى 170 مليار دولار أو ما يقارب ذلك لمواصلة عام آخر من الحروب في العراق وأفغانستان.
وإذا أضفنا تكاليف الحروب وغيرها من المصاريف التي تنفق على قضايا الأمن من ميزانيات الوزارات الأخرى، فإن المرء يقترب من الوصول إلى الرقم الحقيقي للإنفاق العسكري في الولايات المتحدة والذي يقارب تريليون دولار للسنة المالية التي تبدأ في أكتوبر وتنتهي في 30 سبتمبر 2009.
قدر كبير من هذا الإنفاق، شأن أوجه الإنفاق العسكري في عهد رئاسة بوش خلال السنوات السبع الماضية، سيصنف تحت بند إنفاق عجز الميزانية. فواشنطن ستقوم ببيع أسهم حكومية إلى دول أجنبية مثل الصين، على افتراض أن الأجانب لم يلاحظوا حتى الآن تهاوي الدولار والذي يشبه تهاوي السفينة تايتانيك إلى جانب ما تعانيه الدولة من أزمة اقتصادية.
نأمل أن يتنبه نوابنا في الكونغرس إلى ما يجري إنفاقه من أموال تذهب أدراج الرياح، ولكننا بذلك قد نفرط في مطالبنا من هؤلاء الشجعان لاسيما أثناء عام انتخابي أو حتى أثناء أي عام آخر. وبحسب الخبراء، فإن إنفاق البنتاجون على برامج شراء الأسلحة الجديدة قد خرج عن نطاق السيطرة ولا توجد أي محاولات جادة لتمييز الأسلحة الجيدة عن السيئة أو الضارة أو التي لا طائل منها.
في عهد رئاسة بوش، تضخم الإنفاق العسكري وذلك منذ عام 2001 غير أن الأموال لا يجري إنفاقها بشكل حكيم. وفي ظل الكساد الاقتصادي الذي يلوح في الأفق أو الموجود بالفعل، وفي ضوء حقيقة أن الدين الداخلي قد وصل إلى أكثر من 10 تريليونات دولار، فإن الرئيس القادم قد يحتاج إلى التفكير فيما إذا كنا نستطيع الاستمرار على وتيرة إنفاق عسكري تشبه إنفاق إنسان مخمور على مؤسسة عسكرية يجري تمويلها تماما كما تمول مؤسسة إنرون وكما تدار مؤسسة مثل جنرال موتورز.
فليأخذ القارئ،على سبيل المثال، في الاعتبار مبلغ الـ 9. 22 مليار دولار التي ننفقها حاليات للتعجيل بإرسال 20 ألف مركبة حماية من الفخاخ ومضادة للألغام للجنود وقوات المار ينز الذين يقاتلون في العراق وأفغانستان. فقد بدأت عملية الإنفاق هذه بشكل جاد العام الماضي فقط،أي أنها جاءت متأخرة للغاية وبعد أن تعرض عدد كبير من الجنود للقتل والإصابة بسبب معدات تفجير بدائية.
أين كانوا هم عندما كان وزير الدفاع السابق رونالد رامسفيلد يأمر بإرسال أي فرد أمامه للحرب على متن سيارات هامفي؟ لماذا الانتظار خمسة أعوام ثم البدء بشكل فجائي في شراء 20 ألف مركبة إم آر إيه بي ؟ لماذا الانتظار لقيام المصانع الأميركية بإنتاج موديل ضعيف يتكلف أكثر من مليون دولار للمركبة الواحدة في الوقت الذي تبيع فيه إسرائيل وجنوب أفريقيا مركبات أفضل للغرض نفسه بثلث السعر؟
ثم هناك السؤال الذي يطرح نفسه بقوة والمتمثل في: ماذا سيفعل الجيش والمارينز بـ 20 ألف مركبة من هذا النوع بأصواتها المرعبة عندما تنتهي حرب العراق؟ إن هذه المركبات التي تشبه الوحوش لا يقل وزن الواحدة منها عن 40 طنا.
فهي لا يمكنها مغادرة بحر الطريق ولا يوجد إلا عدد قليل من الجسور التي تستطيع تحمل وزنها، كما لا يمكنها الاستدارة على طريق عادي. وسائل دفاعها الوحيدة تتمثل في كونها مركبة مصفحة إلى جانب وجود بعض الثقوب التي يستخدما الجنود في التصويب من خلال بنادقهم على أهداف لا يستطيعون رؤيتها.
هل هذه المركبات أفضل من بديلتها المدرعة هامفي التي يبلغ سعرها 200 ألف دولار؟ وما هو العدد الذي بالفعل نحتاجه من هذه المركبات في الوقت الذي لا تقوم فيه الإستراتيجية الأميركية الحالية في العراق على التجوال في الشوارع من خلال دوريات وإنما على وجود قوات تمشي على الأرض؟
لم يحرك الكونغرس ساكنا عندما بدأت البنتاغون في نقل الأموال من البرامج الأخرى العام الماضي لتمويل عملية إنتاج المركبة إم آر إيه بي. فلماذا لا يحركون ساكنا؟ فلنفكر في الوظائف التي توفرها مصانع إنتاج هذه المركبات في ساوث كارولينا والمسيسيبي وعشرات المصانع الأخرى في مختلف أرجاء الدولة والتي تصنع أجزاء وقطع غيار تدخل في تصنيع المركبة.
لقد كانت تلك المركبات بمثابة فكرة جيدة منذ 5 أعوام عندما كان يدير رامسفيلد البنتاجون ويخبر الجنود بأنه عليهم التوقف عن عملية الغمز واللمز حول المركبات المصفحة لأننا ذاهبون إلى الحرب بالجيش الذي يتوافر لدينا وليس بالجيش الذي ربما نريده.
فلنفكر في الأمر قليلا: إن هذه المركبة لا تمثل سوى برنامجا واحدا يتكلف 22 مليار دولار في إطار ميزانية أمن قومي حجمها يصل إلى عدة تريليونات من الدولارات. فما هو عدد الأجهزة العسكرية التي عفا عليها الزمن وعير المفيدة والمخبأة هناك لتأكل الأموال مثلما تأكل الجراد الزرع؟ ما هو عدد المشاريع المفيدة والجدية التي جرى تجاهلها أو رفضها لمصلحة إنتاج ألعاب أطفال باهظة التكاليف ولا تعمل ولكنها ستأتي بأموال هائلة للمجمع الصناعي العسكري.
الرئيس الأميركي المقبل قد يود معرفة الإجابة عن هذا السؤال عندما يخلع معطفه ويجلس في مكتبه البيضاوي في ظهيرة يوم العشرين من يناير 2009.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ: «البيان»
