لا يمكن فهم ما يجري الآن في زيمبابوي دون استعادة سريعة لشريط التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها هذه الدولة التي كانت تسمى باسم استعماري هو روديسيا الشمالية، منذ كانت واحدة من ثلاث مستعمرات بريطانية في جنوب افريقيا وروديسيا الجنوبية.

حيث كانت تحكمها أقليات عنصرية من المستوطنين الإنجليز البيض الذين استولوا على كل مقدراتها السياسية والاقتصادية، وعزلوا شعبها الافريقي في كانتونات ومعازل عنصرية تفتقر إلى كل ما هو إنساني، وسلبوا بالقوة حقوقهم الوطنية في الأرض والإرادة، ثم في النهاية أعلنت هذه الحكومات الأقلية العنصرية الاستقلال عن بريطانيا.. تماما مثلما فعل النظام الصهيوني الاستيطاني العنصري في فلسطين المحتلة.

لكن إصرار هذه الشعوب الافريقية المضطهدة على استعادة حقوقها الوطنية دفعها إلى مواصلة نضال طويل مسلح وسلمي بدعم الشعوب المناصرة لقضايا الحرية وحقوق الإنسان الافريقي، والدول المناهضة للاستعمار والتمييز العنصري في افريقيا والعالم، خصوصا دولا عربية افريقية كانت في مقدمتها مصر بقيادة عبد الناصر، والجزائر بقيادة بن بيللاوبومدين، وليبيا بقيادة القذافي.

وكان من الطبيعي بعد إنهاء تحكم الأقلية العنصرية أن تفوز الأغلبية الوطنية بحكم أوطانها الأصلية في انتخابات ديمقراطية، وفازت تلك الزعامات التاريخية للنضال الشعبي الافريقي «نيلسون مانديلا» في جنوب افريقيا، و«كينيث كواندا» في روديسيا الشمالية التي استعادت اسم زامبيا الأفريقي بعد الاستقلال، و«روبرت موجابى» زيمبابوي بعد الاستقلال، بثقة غالبية شعوبهم في تلك الانتخابات بعيدا عن الوصاية الاستعمارية والقمع العنصري.

ومن هنا بدأت الحملة الاستعمارية ضد هذه الزعامات سياسيا واقتصاديا وإعلاميا لإسقاطها أو لإفشال خططها التصحيحية باسم ا انتهاك الديمقراطية وحقوق البيض. وفيما يخص زيمبابوي وموجابي بالذات كانت الحملة هي الأقوى لأن موجابي كان الأكثر سرعة وعمقا في عمليات إعادة تغيير الأوضاع الاقتصادية بالإصلاح الزراعي فأثار غضب البيض وغضب الإنجليز والأميركان ليعلنوا الحرب عليه إلى حد التفكير في غزو زيمبابوي لإسقاطه.

ومع ذلك فما يجري في زيمبابوي الآن من جدل خارجي وداخلي حول الموقف من نتائج الانتخابات العامة التي أجريت بمراقبة الاتحاد الافريقي قبل أيام لابد أن يثير الاهتمام أيضاً من زاويتين.. الأولى هي مدى حق الدول الاستعمارية في الوصاية والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية، أو فرض العقوبات السياسية والاقتصادية فيما يجري في مستعمراتها السابقة من تطورات سياسية بعد الاستقلال لإفراغ الاستقلال من مضمونه.

والثانية هي مدى حق الزعامات الوطنية في الوصاية الأبوية على شعوبهم، والتصور بأن دورهم التاريخي في تحقيق الاستقلال يمنحهم المشروعية في السلطة المطلقة أو السلطة الأبدية، وتغييب الديمقراطية السياسية لحساب الديمقراطية الاجتماعية، أو بتغييب الديمقراطية الاجتماعية باسم الديمقراطية السياسية.

ففي الديمقراطية الحقيقية، لا صوت يجب أن يعلو فوق صوت الإرادة الشعبية، وليس لحزب أيا كان حجمه حق الوصاية على القوى السياسية الوطنية، وليس لفرد، أي فرد أيا كان تاريخه الحق في احتكار السلطة السياسية ومنع الإرادة الشعبية من اختيار من يعبرعنها بحرية في البرلمان أومن يحكم البلاد وفقا لنتائج صحيحة لانتخابات سليمة.

mamdoh77@hotmail.com