في الحلقة التي بثت الأسبوع الماضي من برنامج «حديث الخليج» الذي يعرض على قناة «الحرة» الفضائية وجه مقدم البرنامج الدكتور سليمان الهتلان إلى ضيفه الكاتب الصحافي محمد الحمادي سؤالا عن غياب الكاتب الإماراتي عن صفحات الرأي في صحف الإمارات، وتساءل عن إمكانية الربط بين هذا الغياب وهامش الحرية المتاح في صحافة الإمارات.

هذا الربط بين غياب أو قلة كتاب الرأي الإماراتيين وهامش الحرية المتاح ربما يجده البعض مبررا منطقيا، وإن كان يحتاج إلى أدلة قوية وملموسة إذا ما اعتبرنا الحرية مفهوما هلاميا تشكله الدول حسب رغباتها، وتطوعه لاتجاهاتها ومواقفها من البشر وقضاياهم ومواقعهم من مصالحها وأيديولوجياتها.

يؤكد هذه الفكرةَ قرارُ وزيرة الداخلية الفرنسية «ميشيل إليو ماري« إقالة «برونو غيغ» الحاكم الإداري لبلدية سانت غرب فرنسا بسبب انتقاده سياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم تبرير الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الفرنسية عزل «غيغ» بأنه ناتج عن عدم احترامه لواجب التحفظ الذي تمليه عليه وظيفته الإدارية، وليس عن اعتبار آخر، وإنْ كانت انتقاداته لإسرائيل قاسية جدا، وفق ما جاء في تصريح الناطق باسم الوزارة لقناة الجزيرة الفضائية.

فإذا كان هذا يحدث في فرنسا؛ بلد فولتير صاحب المقولة الشهيرة (قد أختلف معك في الرأي، لكني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمنا لحقك في الدفاع عن رأيك)، ومونتيسكيو صاحب نظرية (فصل السلطات)، وجان جاك روسو صاحب (العقد الاجتماعي)، فإن بقية بلدان العالم معذورة إذا اختل ميزان الحرية فيها فيما لو قورنت بفرنسا وغيرها من البلدان الضاربة جذورها بعمق في رمال الحرية.

هامش الحرية بهذا المنطق إذن يظل هامشا مهما اتسع لأنه لا يرقى إلى مستوى المتن، ويبقى إلقاء اللائمة عليه عذرا يبدو مقبولا لدى البعض، لكنه ليس سببا وحيدا وكافيا لتبرير غياب الكاتب الإماراتي عن صفحات الرأي في صحف الإمارات بمفهوم الغياب الذي يعني نقيضُه حضورا يوميا لافتا ومؤثرا يلحظه القارئ بحيث لا يطل عليه سوى كاتب إماراتي أو اثنين كل يوم وسط عشرات الأسماء العربية والأجنبية التي تستكتبها صحف الإمارات من شرق الكرة الأرضية وغربها وشمالها وجنوبها.

بينما تظهر على استحياء فيها بعض أقلام الكتاب المواطنين، مع استثناء كتاب الأعمدة لاختلاف طبيعة العمود اليومي عن مقال الرأي ذي الطابع التحليلي الأكثر عمقا وتخصصا والأكبر مساحة كما هو معروف في فنون الكتابة الصحافية التي لكل مجال منها طابعه الخاص، دون تقليل أو انتقاص من أي فن على حساب آخر.

إن نظرة سريعة على صحف دول الخليج المجاورة - إذا شئنا أن لا نذهب بعيدا فنشمل كل الصحف العربية - تعطينا انطباعا عن المقصود من غياب الكاتب الإماراتي عن صفحات الرأي في صحف الإمارات، حيث تزخر الصحف الخليجية بأقلام مواطنيها الكثيرة التي لا تجد لها متسعا في بعض تلك الصحف رغم كثرة الإصدارات الصحافية هناك.

فنتيجة رصد عدد يوم واحد فقط من صحيفة «الرياض» السعودية على سبيل المثال تظهر سبعة وعشرين مقالا لكتّاب كلهم سعوديون، وفي عدد اليوم نفسه من صحيفة «القبس» الكويتية نرصد واحدا وعشرين مقالا لكتّاب كلهم كويتيون، وعلى هذا المعدل نستطيع أن نقيس لنصل إلى رقم قريب من الحقيقة لعدد كتاب الرأي في هذه الدول الشقيقة، بعد حصر كل الصحف التي تصدر فيها، إذا أردنا أن نأخذها مثالا للمقارنة بين عدد كتاب الرأي عندنا وعندهم.

أمام هذه الصورة يحق لنا أن نتساءل عن غياب كتاب الرأي الإماراتيين عن صحافة الإمارات بمفهوم الغياب الذي نقصده، ونبحث عن أسباب هذا الغياب؛ هل هو هامش الحرية الذي يمكن أن يتخذه البعض سببا يبرر به إحجامه عن الكتابة؟ ربما يكون هذا صحيحا إلى حد ما، رغم أننا قرأنا مقالات لكتاب إماراتيين لا تنقصها الصراحة ولا الجرأة، ورغم أن هذا الهامش يتسع لتعليقات القراء على المواقع الإلكترونية لبعض الصحف المحلية ويمنحها مساحة كبيرة وسقفا عاليا لا تجدهما في المقالات والأخبار المنشورة في هذه الصحف نفسها، وهذه مفارقة عجيبة تحتاج إلى تفسير.

كما أن هذا الهامش يتسع كثيرا ويفقد صفته كهامش في برامج البث المباشر بالإذاعات المحلية التي تفتح أبوابها للمذيعين والمستمعين كي يعبروا عن آرائهم بكل حرية، وتستضيف المسؤولين لمناقشة هذه الآراء والرد على الشكاوى بشكل لا تنقصه الشفافية ولا الصراحة ولا الحرية التي يضيق بابها أمام مقالات الرأي وينفتح على مصراعيه لآراء المستمعين وشكاواهم وانتقاداتهم!

سوف نبقي على ضيق هامش الحرية سببا من أسباب غياب كتاب الرأي عن صحافة الإمارات ونبحث عن أسباب أخرى ربما تكون وجيهة في نظر المهتمين بهذه القضية، لعل منها تدني نسبة قراء صفحات الرأي كما ورد في مقال الدكتور عبد الخالق عبد الله المنشور بجريدة «الخليج» بتاريخ 24 مارس 2008 عندما ذكر أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن عدد قراء الرأي لا يتجاوز 8 آلاف قارئ فقط في واحدة من كبرى الصحف في الإمارات، توزع أكثر من 80 ألف نسخة يوميا وفق ما جاء في المقال.

مما يعني أن نسبة هؤلاء القراء لا تتعدى 10% من مجموع قراء الصحيفة، وهي نسبة يجب أن لا تكون عاملا مثبطا للكتّاب تدفعهم إلى العزوف عن الكتابة ومقاطعة صفحات الرأي في صحف الإمارات، كي لا تجد هذه الصحف نفسها مضطرة إلى استيراد كتاب من الخارج يحدثون خللا في التركيبة السكانية لهذه الصفحات التي يجب أن تعكس وجها مشرقا لأبناء الإمارات الذين نالوا حظا كبيرا من العلم والثقافة والوعي السياسي والاجتماعي يحتم عليهم المشاركة في نهضة الدولة الفكرية التي لا تقل أهمية عن نهضتها الاقتصادية والعمرانية.

وذلك بنقل هذه المحصلة إلى غيرهم للإسهام في خلق رأي عام سليم، بعيدا عن الغوغائية والأفكار الهدامة التي ينشرها، مستغلا خلو الساحة من كُتّاب الاعتدال والمنطق العازفين عن الكتابة لسبب أو لآخر. هذا كله لا يعفي الصحف المحلية من البحث عن حملة الأقلام من بين مئات المثقفين والأكاديميين وأصحاب الفكر من أبناء الإمارات، والسعي إلى استقطاب هذه الأقلام لإحداث ثغرة في الجدار المحيط بالحرية التي يعتقد البعض أن هامشها غير كاف.

فأن نوقد شمعة خير ألف مرة من أن نلعن الظلام كما يقول المثل، وأن نستغل هامش الحرية المتاح خير ألف مرة من أن نعزف عن الكتابة، كي لا تبدو الساحة خالية إلا من السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يغيب الكاتب الإماراتي عن صفحات الرأي في صحف الإمارات بينما يتواجد الآخرون بكثرة ويحضرون؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com