هل النظام السياسي السائد في الولايات المتحدة نظام ديمقراطي حقيقي أم أنه مجرد قشرة خارجية؟
لعل السؤال يبدو غريباً، لكن الأكثر غرابة أن السؤال يصدر عن كاتب إسرائيلي.
في مقالة تحليلية في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية يقول ديفيد لافون إنه إذا أخذنا في الاعتبار أن مبدأ المحاسبة هو المرتكز الأساسي لأي نظام ديمقراطي في أي مكان أو في أي زمان فإن سجل النظام الديمقراطي الأميركي يعتبر بائساً في هذا المجال، وكمثال حي لهذا الطرح يقوم الكاتب الإسرائيلي بتشريح سيرة نائب رئيس الولايات المتحدة الحالي ديك تشيني، وبعد أن يسرد شواهد بشأن هذه الشخصية السلطوية الأميركية فإنه يتساءل كيف يجوز أن يواصل تشيني حياة المجد والمنزلة الرفيعة والجبروت وكأنه لم يحدث شيء.
المخالفات التي ارتكبها تشيني تجل عن الحصر. ولعل في مقدمتها أنه تزعم فريق السلطة الذي قام عمداً بنسج أكاذيب فاضحة وطبخ تلفيقات متعمدة لكي يمد رئيسه بما يحتاج من مبررات مفتعلة غير مشروعة ليورط بلاده في حرب شاملة ضد العراق، كانت سلسلة أكاذيب وتلفيقات لتضليل العالم، والأهم من ذلك تضليل الرأي العام الأميركي، وربما كانت لنائب الرئيس الأميركي أهداف سياسية غير معلنة من وراء التدبير لشن الحرب تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وحماية أمن إسرائيل على المدى البعيد، لكن ما ثبت بالأدلة القاطعة بعد اشتعال الحرب واستمرارها أن لديك تشيني طموحات شخصية.
في هذا الصدد يقول لافون ان لنائب الرئيس مصالح ذاتية من خلال خدمة المصالح المادية الربحية لشركة كبرى كان ولا يزال يعمل لديها على المستوى الإداري الأعلى، فمنذ الوهلة الأولى لنشوب الحرب أخذ نجم شركة «هاليبيرتون» يصعد من خلال ما حصلت وتحصل عليه من تعاقدات مع وزارة الدفاع الأميركية، وتشيني كان يهيئ لشركته من خلال نفوذه السلطوي صفقات بمليارات الدولارات، علماً بأنه يملك نسبة كبيرة من أسهم الشركة، ومن موقعه السلطوي العالي كان تشيني يصدر أيضاً أوامر إلى أجهزة الاستخبارات لتمارس التعذيب بأشكاله في معتقلاتها مما يعتبر انتهاكاً سافراً لقوانين الحرب ومواثيق جنيف الدولية.
هكذا تتواصل سيرة ديك تشيني كسلسلة من إساءة استخدام القوة المادية بلا رادع وبلا مبرر مشروع ومن ممارسة الكذب على الشعب الأميركي دون أدنى تردد بالإضافة إلى عمليات فساد مالي، عند هذه النقطة يتوقف الكاتب الإسرائيلي ليقول متعجباً إنه لو كان ديك تشيني صاحب مثل هذا الموقع السلطوي ولكن في دولة متقدمة أخرى غير الولايات المتحدة لقدم إلى القضاء استناداً إلى القانون الجنائي ولأدين ووقعت عليه عقوبات وصودرت ممتلكاته.
المشكلة إذن هي أن النظام الديمقراطي الأميركي يفتقر إلى عنصر المحاسبة، وديك تشيني ليس سوى عضو واحد في مجموعة سلطوية تشمل على المستوى الأعلى الرئيس جورج بوش وعلى المستوى الأدنى وزيري الدفاع السابق والحالي - دونالد رامسفيلد وروبرت جيتس- وكبار مستشاري الرئيس وجنرالات وزارة الدفاع، هؤلاء كلهم شركاء متورطون في كل ما يحدث بأشكاله دون خشية من محاسبة قضائية أو حتى مجرد مساءلة إدارية مما يثبت كما يقول الكاتب الإسرائيلي ان الديمقراطية الأميركية مجرد قشرة تشع بريقاً خادعاً.