من جديد يطفو شعار الحوار الداخلي، في لبنان، على السطح. مطلب يلقى، من حيث المبدأ، موافقة كافة الأطراف اللبنانية. الكل يعترف بأنه محكوم، في نهاية المطاف، بالتوافق. هذا هو الجانب الإيجابي. المفارقة الكبيرة، أن هذا التسليم؛ تعذّرت ترجمته، حتى اللحظة؛ سواء مباشرة أو بالواسطة.
وليس لذلك تفسير إلاّ واحد من اثنين: إما لأن الأطراف عاجزة، عن ممارسة الحوار والوصول به إلى خواتم إيجابية معينة ومطلوبة لإنقاذ البلد. وإما ان الحديث عن الحوار وضرورته، هو فقط للاستهلاك. وفي الحالتين، تبقى الكرة في ملعبها؛ كما تبقى المسؤولية بالدرجة الأولى، على عاتقها.
الأزمة طال أمدها وتراكمت تعقيداتها؛ وبالتالي وصلت إلى الحائط المسدود، الذي تقف أمامه اليوم؛ لأنه تعذر التفاهم؛ ولو على صيغة حدّ أدنى، بخصوص القضايا الخلافية. وبالتحديد على انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
جلسات الحوار التي عقدت مطلع عام 2006 وتوالت لعدة أشهر؛ شكّلت بداية واعدة. كانت تجربة جديدة. علّقت عليها آمال مشروعة، كونها كانت محلية صرفة ومباشرة. زاد من درجة التفاؤل أنها تواصلت وسادتها أجواء حوارية هادئة؛ تمخّضت عن توافقات مبدئية، حول عدة قضايا. لكنها لم تر التنفيذ.
بعد حرب يوليو من ذلك العام، تمّ استئناف التحاور بصيغة طاولة «تشاور». تعثرت، من جديد وانفضّ المتحاورون، لوسع الفجوة. ثم بدأ الحوار يجري بالواسطة؛ الدولية ـ وبالتحديد الأوروبية ـ حيناً؛ والعربية، حيناً آخر.
أيضاً غرقت بالمراوحة؛ وانتهت إلى النتائج المعروفة. إلى أن طرحت «المبادرة العربية»، الصادرة عن وزراء الخارجية العرب بالإجماع. لكن حتى هذا الإجماع لم يشفع لها. بعد جولات مكوكية مكثّفة للأمين العام للجامعة العربية، بقيت المبادرة مكانها. وقعت في دوامة الخلاف حول تفسيرها. أيضاً مرت القمة العربية، من دون أن يطرأ على ملف الأزمة أي تغيير.
تمت إحالته، من جديد على المبادرة، مع تكليف الأمين العام للجامعة، معاودة التحركات والاتصالات، لتعويمها. وفيما بدأت تجري الاتصالات، ولو بعيداً عن الأضواء، ظهر من جديد اقتراح بالعودة إلى طاولة الحوار الداخلي المباشر؛ على غرار المرة الأولى. لكن هذه المرة، أثارت الفكرة حالة من الجدل والردود المتبادلة، التي أخذت صيغة التراشق والاتهامات المتبادلة؛ حول الجديّة والفاعلية؛ لمثل هذه العودة. صار القبول بالحوار والجلوس على طاولته، موضع خلاف، ناهيك عن أجندته وآلياته. عقد الحوار بات يلزمه حوار.
الواضح، أن الانسداد المستحكم بالأزمة اللبنانية؛ يعكس، من جملة ما يعكس، وجود هوّة واسعة من انعدام الثقة بين أطرافها. الحوارات العديدة، التي جرت بصيغ مختلفة، انتهت إلى اللاجدوى، بسبب غياب ما جعلها فريسة لفقدان الثقة. وبالتحديد غياب أمرين: مرجعية للحوار، وسقف زمني مع آلية تلزم المتحاورين الخروج بمقررات تفتح الطريق إلى الحلّ. الحوار، لا خيار غيره ولا بديل. لكن ضمان بلوغه الحصيلة المنشودة، أمر لا يقل أهمية، وإلاّ انتهى إلى حيث سوابقه وتحول إلى حوار طرشان.
