قلنا في مقال «ام الإسعاف»، إن إبراز «الإمارات اليوم» إنجازات جميلة الزعابي أكدت وجود نجوم عظيمة في الدولة بحاجة إلى سماء تسطع فيها. وما نقصده هو أن عدداً من أبناء الوطن من أصحاب الخبرات والكفاءات ممن يصنعون النجاح بجدارة وتميز.
وبما لديهم من إمكانات وقدرات في مختلف المجالات يستحقون أن توكل إليهم مسؤوليات في مؤسسات جديدة يثبتون ويحققون فيها نجاحات تضاف إلى رصيد الدولة، لكن واقع الحال يثبت عدم تكافؤ الفرص في هذا الشأن، ويثبت أن كثيراً من المسؤوليات أصبحت مقصورة على شخصيات بعينها وكأن البلد قد خلا من غيرها.
لا نخص بهذا الحديث إمارة معينة لأنه يحدث في كل الإمارات دون استثناء، ولا نبالغ فيما نقول لأنه في الوقت الذي نجد فيه شخصيات ناجحة تبحث عن تحدٍ تجدد به طاقتها، وتطلق فيه العنان لمزيد من التميز والإبداع، نجد شخصيات أخرى لا تجد وقتاً لمتابعة 25% من الأعمال الموكلة إليها، فما أن يعلن عن تكليفها بمشروع أو مسؤولية، إلا ويتبع ذلك تكليفها بمهام أخرى في مشروع آخر، لدرجة أصبح فيها الأفراد يتوقعون أسماء المسؤولين ومجالس الإدارات حتى قبل الإعلان عنها رسمياً، وكأن الأسماء تدور في دائرة مغلقة لا تخرج عن نطاقها.
تُرى كم هي طاقة الإنسان التي تتيح له متابعة ذلك الكم الهائل من الأعمال، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار المسؤوليات الأخرى التي يتحملها باعتباره إنساناً مسؤولاً عن نفسه، وعن أسرته، وعن أدوار اجتماعية وإنسانية أخرى لا يمكن إعفاؤه منها؟ ولماذا يُثقل عليه كفرد واحد بكل هذه المسؤوليات التي من الممكن أن يقوم بها غيره من ذوي الاختصاص والكفاءة والخبرة؟
ولماذا يُعرّض بعض المسؤولين لمواقف يخجلون فيها من رفض تكليفات تتابع عليهم من مؤسسات تمنحهم ثقتها؟ إن المبالغة في زيادة مهام المسؤولين تقلل من مستوى تركيزهم ومستوى إنتاجية العمل لديهم أحياناً، كما أن ذلك يكرر أسلوب الإدارة الذي لا نستطيع أن نجزم بصحته وجدواه إلى أن يحقق النتائج المنتظرة التي يتأخر تحقيقها لانشغال المسؤول بأمر آخر.
علاوة على أن هذه المهام تحرم المسؤول نفسه من ممارسة حياته كإنسان وتحوله إلى ترس في آلة لا تكف عن الدوران، أضف إلى ذلك أن التركيز على أسماء معينة دون غيرها يحرم آخرين فرص المشاركة ويفرض عليهم الاكتفاء بدور المتفرج رغم أنهم يرون أنفسهم الأجدر بتلك المسؤوليات والأكثر اختصاصاً فيها.
الإثقال على المسؤولين بالعديد من المهام والمسؤوليات والمبالغة في تلميع صورهم، حتى لو كانوا على كفاءة عالية لا يمكن الحكم عليه مطلقاً بأنه تميز إداري، لأننا لم نصنع هؤلاء وإنما صنعتهم في الغالب أعمالهم السابقة أو علاقاتهم، فالتميز والنجاح الحقيقي من وجهة نظرنا يكمن في مقدرتنا على البحث عن عناصر مواطنة جديدة لم تجد لها مكاناً تحت الأضواء لسبب أو لآخر.
رغم كفاءتها ورغم خبرة بعضها، ولم تجد لها مكاناً في السماء لتجاري تلك النجوم التي لمعت بدعم كبير حظيت به. نقول ذلك لأننا نخشى استنفاد طاقات المسؤولين المثقلين والذين نقدر لهم جهودهم كلها، ولأننا نخشى تراجع مستوى إنتاجهم، ولأننا نتمنى فرصاً مماثلة لعناصر أخرى نعتقد أنها تستحق أن تأخذ فرصتها في تحمل مسؤولية وطن يبقى في أعين الجميع.
التنمية الشاملة أولوية في أجندة العمل الوطني، وتتطلب البحث عن العناصر البشرية الموجودة بيننا ذات الكفاءة، والتنويع بينها لنضمن تعدداً وتبايناً فكرياً وإدارياً، والأهم من ذلك توسيع دائرة الاختيارات دون حصرها في فئة محددة أصبحت تحتل معظم المناصب والوظائف، فتعدّد الشخصيات واختلاف فكرها ووسائل عملها يخرجنا من دائرة الوجوه المكررة التي نصبح ونمسي على وقع أسمائها وصورها.
