انتهت أعمال قمة دمشق كسابقاتها من القمم العربية من دون أن يتفق القادة المجتمعون على حلول فورية للوضع الرديء الذي ينخر الجسد العربي، اللهم مناقشتهم، كالعادة، لملفات سبق وان أدرجت في جدول أعمال القمم السابقة كقضية فلسطين والعلاقات العربية العربية.

الشارع العربي كان ينتظر، ككل مرة، حلولا فورية للمشكلات العربية الراهنة ولكنه يعرف مسبقا أن قادته ليسوا في مستوى التحديات ومواجهة الرهانات، ويعرف أكثر، بأن أي اجتماع عربي يعقد تكون الولايات المتحدة الأميركية حاضرة فيه بأجندتها وبقراراتها وهذا ما جعل قمة دمشق تمر من دون أن يكون لها أي صدى في الشارع العربي حتى وإن كان حضرها جميع الملوك والرؤساء العرب.

والمطلع على جدول أعمال القمة يصاب بالدهشة والحيرة من إدراج ملفات ومواضيع عربية هي ليست من اختصاص العرب البتة بل إن حلولها بيد الولايات المتحدة الأميركية وفقط، ولا نعرف لماذا يحشر العرب أنوفهم فيما لا يعنيهم من قضايا وهذه الولايات المتحدة الأميركية تقول لهم صراحة إنها الراعية لما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط ولن تقبل بحلول غير حلولها بل تقول إنها لا تعترف بالمبادرة العربية حول السلام في الشرق الأوسط، فلماذا يعاد إذا طرحها في قمة دمشق؟، ولماذا يناقش العرب أيضا ملف العراق وهم يعرفون أنه ملف يخص الرئيس الأميركي وحده ولا دخل للعرب ولا العراقيين فيه!!

المشكلة التي باتت واضحة لدى الشارع العربي ليست في القمم الدورية بقدر ما تكمن المشكلة في النظام العربي المتآكل والفاقد للمقدرة على إيجاد بدائل لتصحيح الخلل في بنيته، فحتى لو حضر القمة الملوك والقادة وتوصوا إلى قرارات تخص فلسطين والعراق ولبنان وعلاقاتهم البينية فهل يمتلكون المقدرة على تطبيقها؟ فكم من قرار اتخذ في القمم السابقة ولم ينفذ منها قرار واحد بل أعيد إدراج معظمها في جدول أعمال القمة الأخير والأكيد سيعاد إدراجها في القمة القادمة بقطر.

لقد كان من الأنسب على الجامعة العربية، وهي تعرف حجم العرب الحقيقي في عالم اليوم، أن تضع أجندة تدرج فيها ملفات تناسب حجم العرب وتضع الإصبع على الجرح وتشخص أماكن الداء والألم لا أن تضيع الوقت هراء في مناقشة مواضيع اكبر منها.

لنعترف أن غياب الثقة بين الدول العربية كانت السبب المباشر في هذا التباعد والنفور واللامبالاة بحضور القمم، وكان من الأجدر على الأمين العام للجامعة العربية أن يعمل على البحث في صيغ تعيد الثقة بين القادة وتجعلهم يتقاربون ويتناغمون لتتلاحم مشاعرهم وتطلعاتهم وعندها فقط سوف يتمكنون من الالتقاء على طاولة واحدة يناقشون وضعهم ومستقبلهم وربما يجيدون آليات تحيي آمالهم.

لقد ساهمت الولايات المتحدة الأميركية في إذكاء الروح العدائية بين العرب بتقسيمهم إلى مجموعات متنافرة واحدة تتبع لها وتعمل بإمرتها والأخرى مسالمة لا تناصبها العداء وثالثة محايدة واقعة بين المجموعتين وبين هذا التباين في المجموعة العربية ضاعت فلسطين ومعها العراق ولبنان وضاع حلم العرب من المحيط إلى الخليج في تجسيد وحدة العرب.

لماذا لا يأخذ العرب العبرة من الأوروبيين في تجاوز المحن وتجسيد الاندماج الواحد، فلماذا نجحت أوروبا فيما فشلنا نحن فيه؟ الواقع أن أوروبا آمنت بثقتها وبقدراتها في مواجهة تحديات العالم الجديد وتمكنت من البروز كقوة يحسب لها الحساب في لعبة التوازنات الدولية، وهاهي أوروبا اليوم، تتطلع بأدوار دولية وتعمل على أن تكون لها مسؤوليات إلى جنب الولايات المتحدة الأميركية التي تتفرد بالإدارة الدولية.

لقد أصبح الأوروبي، أي أوروبي، يفتخر بقياداته التي أعادت مجد أوروبا وهيبتها وصححت الخلل الذي كاد يعصف بمستقبل أوروبا بأن تظل تحت الحماية الأوروبية ومسلوبة الإرادة والسيادة، وهذا يكفي لنتعلم نحن العرب الدرس من الأوروبيين، ولكن يظهر أن البحث عن الثقة كالبحث عن إبرة في كومة قماش، فالشعور بالإحباط عم جميع المستويات الرسمية والشعبية وأصبحنا غير قادرين على الصمود أكثر في عالم شديد التداخل والتسارع سبقنا في علومه واكتشافاته.

أما نحن العرب فمجرد مستهلكين ونتلقى الصدمات وليس من حقنا أن نشارك في صنع مصيرنا لأننا ببساطة أصبحنا جاهزين لدورة استعمارية جديدة أو البقاء على الهامش.. تلك هي الحقيقة التي يجب أن نلتفت إليها وتعيها الجامعة العربية جيدا وتبدأ بدق ناقوس الخطر لمناقشتها على جميع المستويات وإشراك الشارع العربي فيها لان الموضوع موضوع مصير وبقاء والبقاء في عالم اليوم للأقوى، فهل نتعظ قبل أن تسقط الفأس على رأس العرب.

كاتب ومحلل سياسي جزائري

Khiredine12@hotmail.com