«لا يمكن أن يحدث هذا الأمر هنا». «هذه هي الكلمات الأخيرة الشهيرة التي عادة ما يطلقها من يبنون منازلهم على السواحل الاستوائية، قبل أن يداهمهم إعصار أو أمواج مد عاتية أو زلزال أو بركان يدمر منازلهم التي كانوا يعيشون فيها في سعادة.
في الاقتصاد يحدث الشيء نفسه. ففي 1929 وبالتحديد قبل أن تهوي «وول ستريت» في أزمة طويلة، أعلنت لجنة شكلها الرئيس الأميركي الأسبق هربرت هوفر وقتها أن المستقبل يبدو هادئا ودورات أنشطة الأعمال ما هي إلا تطور تاريخي لآلام الرأسمالية. غير أننا نعيش الآن عهدا جديدا.
غير أنه على الرغم مما قاله أعضاء اللجنة، فإن العالم ظل على مدار عقد كامل يعاني من مآس هائلة، تمثلت في بطالة مرعبة وإفلاس مصرفي أشهرته ألوف من بنوك العالم وحالات إفلاس بالملايين وأزمة رهن عقاري هائلة.
معظم قرائي كانوا أحياءً أثناء ما أطلق عليه «عقد اليابان الضائع» الذي كان يعرف بأنه حالة طويلة وطويلة جدا من الركود الاقتصادي. ( حقيقة الأمر تشير إلى أن الوعكة الاقتصادية في اليابان امتدت إلى آخر التسعينيات. وحتى يومنا هذا لم تستعد اليابان مستويات أسعار الفائدة الإيجابية التي تسود العالم وعندما تحتاج الدول الأخرى المناظرة لها العمل على مكافحة التضخم، فإنك تجد اليابان لا تزال تكافح بهدف إنهاء حالة الانكماش التي نتجت عن نقص في حجم العملة المتداولة وأدت إلى حالة انخفاض عام في مستوى الأسعار في فترة ما بعد عام 1990).
غير أن المؤرخين وحدهم يعلمون أن اليابان في فترة العشرينيات وبالتحديد بعد فترة الكساد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت تعاني وحدها من فترة كساد كبيرة قبل هذه الفترة سُميت بـ «العقد الضائع».
هذه الفترة التي كانت مليئة بالضغوط لم تمثل خطرا على نظامها الديمقراطي الذي كانت تضاهي به الغرب فحسب، وإنما يمكن القول: إن تلك الفترة هي التي مهدت الطريق إلى ما حدث من عمل طائش في بيرل هاربور في 1941. وعلى المستوى المعنوي فإن العقود المليئة بالأزمات الاقتصادية تتسبب في حالة من عدم الاستقرار السياسي وفي وجود جيران خطرين على المستوى الجيوسياسي.
السبب وراء استدعائي لمثل تلك الأحداث هي أنني أريد مساعدة أنفسنا على تفهم وحل النقاشات الجوهرية التي ستحملها الفترة المقبلة في أميركا والخارج. إن حكومات العالم بما فيها البنوك المركزية ومنظمي الأسواق المالية سيضطرون في الفترة المقبلة إلى إدراك أنه يتعين عليهم علاج الجروح الجديدة الخطيرة التي تعاني منها الأنظمة المالية في العالم.
أحد الأسئلة المهمة في هذا الشأن تتمثل في التالي: هل ينبغي لدور الدولة أن ينحصر في أولا تحديد أسعار الفائدة الرسمية في المدى القصير على السندات الحكومية (الآمنة) وثانيا البرامج المحدودة القصيرة الخاصة بالإنفاق عند عجز الميزانية؟
في التقلبات الاقتصادية العادية يتبين أن مثل تلك الأسلحة التقليدية تؤدي المطلوب منها بشكل طيب للغاية. غير أنها لم تفد اليابان عند نهاية القرن الماضي. كما لم تكن تلك الأدوات فعالة عندما همت تلك الحكومات على مضض بالتعامل مع الكساد العظيم في الفترة من 1929 إلى 1939.
في الواقع إن ما حدث في فترة الثلاثينيات هو أن حالة من الشلل انتابت جهات الإنفاق في القارات الأربع، حيث كانت غير مستعدة للدخول في أي مخاطرات. ومن ثم فإنه حتى تقليص نسبة الفائدة إلى الصفر من قبل البنوك المركزية أدي إلى الوقوع في فخ السيولة وقتها.
فمعدل فائدة كهذا ليس لديه القوة كي يبدأ وينطلق ويعزز عملية طبيعية من الإنعاش الاقتصادي. وبدلا من حدوث حالة الإنعاش تلك، فإن المستهلكين والمستثمرين الذين تملكتهم حالة من الرعب آثروا التخزين والادخار بدلا من الإنفاق. هل نحن الآن أفضل حالا مما كان عليه اليابانيون، دعنا نتأمل هذا السؤال مليا.
إن العالم حاليا يعيش حالة مُركبة من التضخم المصحوب بركود اقتصادي، حيث يعاني من أزمة البطالة وقلة الأرباح بالتزامن مع تضخم الأسعار. وبسبب ما حدث في أوائل فترة السبعينيات من صدمات في إمدادات النفط والمواد الغذائية، فإن مصطلح الكساد الذي يشوبه تضخم غدا مفهوما اليوم بشكل كبير.
الأمر الذي يعد في غاية الأهمية الآن هو الإجابة عن السؤال التالي: في نيويورك ولندن وباريس وسيؤول وطوكيو، هل الأموال والائتمان يسهل الحصول عليهما أم هناك حالة من التضييق المالي؟ الإجابة هي أننا نعاني من مرض جديد تجتمع فيه السهولة والتضييق في الحصول على الائتمان، ففيما يتعلق بالسندات الحكومية الآمنة نرى الأموال موجودة بوفرة. أما فيما يتعلق بالأصول التي تتسم بالمخاطر المعقولة فإن الائتمان غير متوافر.
هذا النقاش الذي ورد أعلاه يقود إلى ما تعلمه علماء الاقتصاد أثناء فترة الكساد العظيم. ثم جاء الاتفاق الذي توصل إليه روزفلت وقتها، والذي بمقتضاه تم إنشاء شركة إعادة إعمار مالي، كان دورها يتمثل في التعامل مع الاستثمارات التي تتميز بمستويات عالية من المخاطرة. نعم كانت هناك خسائر لميزانية الخزانة، ولكن كانت هناك مكاسب تحققت وتمثلت في نمو عدد الوظائف في الفترة بين 1933 و1939 وزيادة في إجمالي الناتج المحلي.
ليست هناك قواعد مضمونة النتائج، يجب أن يقوم عليها التدخل الحكومي. فشأن الحال عندما نقول إن وجود قاموس غير كامل أفضل من عدم وجود قاموس على الإطلاق، فإنني أجرؤ على أتقدم بهذه النقاط:
1ـ هؤلاء المشترون الأغبياء الذين تعاقدوا على شراء منازل لا يستطيعون تحمل نفقاتها، لا يجب تعويضهم بأي شكل من الأشكال.
2ـ الجهات المقرضة سواء أكانوا سماسرة رهان عقاري أو مؤسسات مثل ميريل لينش لا يمكن إصلاحها. ومن ثم يجب أن تستحوذ الحكومة على ضماناتهم التي قد تكون بشكل مؤقت في شكل أصول غير سائلة بسبب حالة الهلع المالي. لقد تقدم وارين بوفيت، وهو أحد المليارديرات شديدي الذكاء، بحل ماكر عندما عرض حيازة الأصول الجيدة للمؤمنين المتهورين على السندات والقروض. غير أن هؤلاء المؤمنين رفضوا هذا العرض على أمل استغلال تلك السندات في فتح الباب أمام الحكومة للتقدم بحل إنقاذ.
3ـ معظم الاقتراحات التي تم التقدم بها في أميركا وأوروبا لم تقدم سوى إعانة قصيرة الأجل للمقترضين والمقرضين، الأمر الذي يعني تأجيل المواجهة مع الوضع السيئ وذلك لأن أي مساعدة طويلة الأجل تعتمد بشكل كامل على أمل غامض بأن تستعيد أسعار العقارات عافيتها مرة أخرى.
غير أن هذا الأمر يتجاهل حقيقة جوهرية. لأن بناء المساكن والمحال التجارية هو في حد ذاته عملية طويلة الأجل، فإن المرء يجب أن يقبل حقيقة أن الأسواق العقارية يمكن أن تعاني من هذه الحالة من السقوط لعدد كبير من السنوات.
ولحسن الحظ فإن نوفمبر 2008 سيشهد انتخابات ستؤدي إلى تغيير المشرعين وأعضاء الحكومة الموجودين حاليا في إدارة بوش بأعضاء أكثر مهارة. إن الواقعية تمنع المرء من أن يكون واثقا من أن تغييرا في الحزب الحاكم يمكن بسهولة وبسرعة أن يقوم بما تحتاجه البلاد كي تستعيد استقرار أسواق المال في الداخل والخارج. غير أن مثل هذا التغيير على الرغم من كونه لن يأتي بالأفضل على الإطلاق سيؤدي إلى قدوم شخصيات هي على الأقل أفضل من سابقتها.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»