لعبة كبيرة اسمها الديمقراطية أي سلطة الشعب، لا قدرة على اللعب فيها إلا للأغنياء ولا يكسب فيها إلا الأقوياء، ولا أهمية هنا للكفاءة أو الذكاء، ولعبة أخرى تحت عباءتها اسمها اللعبة الانتخابية التي تعكس خيار الشعب وتحدد من تؤول إليه السلطة.

في ظل الألاعيب العديدة أصبحت تتطلب من الدهاء ما هو أكثر من النقاء، ولا يخسر فيها إلا الشعب مع انتهاء دوره بالتصويت أو بالمنع من التصويت بالترهيب أو بالترغيب، ولا عزاء للمرشحين أو الممنوعين من الترشيح سواء من الفقراء والضعفاء حتى لو امتلكوا الكفاءة والمشروعية والأهلية والذكاء.

والعلاقة بين الانتخابات النزيهة والديمقراطية السليمة أكثر من أساسية، فلا ديمقراطية دون حرية تشكيل التنظيمات السياسية، ولا حرية في الخيارت السياسية بلا انتخابات حرة بين هذه التنظيمات برقابة تتمتع بثقة الناخبين وتحظى بالمصداقية لدى المرشحين.

غير أن اللعبة الانتخابية هي مفتاح أبواب الدخول إلى اللعبة الديمقراطية، وفيها يمكن إعلاء الإرادة الشعبية لتحقيق التداول السلمي للسلطة إذا توفرت الثقة والنزاهة، بينما الألاعيب الانتخابية هي مفتاح إسقاط تلك الإرادة إذا غابت الثقة أو غابت النزاهة بما يفتح أبواب صراع عنيف على السلطة يلي الانتخابات.

ولكن ليس شرطا أن تكون الانتخابات دليلا على الديمقراطية، إذا كان قانونها مفروضا من أغلبية حاكمة أو من أقلية متحكمة، أو جاء قانونها غير عادل أو غير مناسب، بالمخالفة لشروط المشاركة سواء بالترشيح والتصويت دون إقصاء أو النزاهة دون تزوير، أو غير متوافق عليه من كل القوى السياسية، لكن لا ديمقراطية سليمة بلا انتخابات سليمة، كما لا يمكن إجراء انتخابات سليمة في ظل غياب ديمقراطية سليمة..

أقول ذلك والانتخابات التي نتابعها في العالم الغربي والعربي في دول الشمال الأوروبي أو دول الجنوب الإفريقي كلها تشير إلى مثل هذه الاستنتاجات بلا استثناءات حادة، ففي الشمال يجري شراء المرشحين وفى الجنوب يجري شراء الناخبين، وليس الشمال بأحسن من الجنوب في هذه اللعبة الوهمية التي تغيب الإرادة الشعبية الحقيقية في الحالتين بدليل المظاهرات في الشمال حول البرلمانات وقصور الحكومات وبدليل العنف في الجنوب بين الأحزاب بعد إجراء الانتخابات وفى النهاية اللعبة تضحك على الجميع فلا هي تأتي بأفضل المرشحين في الشمال ولا هي تعكس إرادة الناخبين في الجنوب!

ونتائج التجربة الانتخابية الأخيرة التي حدثت مؤخراً في كينيا ودفع فيها الناخبون الكثير من الأرواح في الاقتتال الأهلي القبلي الذي جرى بين أنصار المرشحين السياسيين على الرئاسة الكينية حول سلامة العملية الانتخابية بعد استباق المعارض بإعلان الفوز.

بينما جاءت النتائج الرسمية لصالح الرئيس، والتي انتهت باقتسام السلطة بين مرشحي الفريقين هي جزء من اللعبة الديمقراطية التي يكسب فيها المرشحون ويخسر الناخبون، تكاد أن تتكرر في زيمبابوى حين استبقت المعارضة إعلان فوزها قبل إعلان النتائج الرسمية النهائية للانتخابات الرئاسية بين الرئيس «روبرت موجابي» وزعيم المعارضة المدعوم من الغرب.

خصوصا مع التدخل الأنجلو أميركي الواضح في الشؤون الداخلية لزيمبابوي والساعية بالمقاطعة والحصار الاقتصادي والسياسي للإطاحة بالرئيس الحالي الذي قاد حركة بلاده ضد الحكم العنصري الاستعماري الاستيطاني الأبيض إلى الاستقلال، سواء بالغزو العسكري أو بالاتهام بتزوير الانتخابات لإثارة الاضطرابات.

وبينما نتابع تطورات ما بعد إعلان النتائج الرسمية في زيمبابوي التي تشير إلى انقسام الأصوات بين الرئيس والزعيم المعارضة 3:3 بما يقود إلى إعادة الانتخابات لتحديد الفائز بالأغلبية.. تعلن اليوم تشكيلة الحكومة الائتلافية الكينية بعد المفاوضات الناجحة برعاية الاتحاد الإفريقي وبوساطة كوفي عنان السكرتير العام السابق للأمم المتحدة بين الرئيس الكيني وزعيم المعارضة المنافس، والتي اتفق فيها الطرفان على المشاركة في السلطة بين الطرفين.

ولأن الأحزاب في دول الجنوب التي تلعب اللعبة الديمقراطية ما هي في النهاية إلا قبائل سياسية، لا يكسب فيها إلا مرشح القبيلة الأكثر عددا ومالا وقوة، وحينما تتقارب القوى يجرى التفاوض على اقتسام السلطة بدلا من انقسام البلاد.. فهل تستفيد زيمبابوي مما جرى في كينيا؟

mamdoh77t@hotmail.com