اعتقد البعض ان كوبا في مرحلة ما بعد كاسترو ستمضي على الوتيرة ذاتها التي شهدتها البلاد على مدى نصف قرن من حكم الثوري الذي هده المرض وأبعده الكبر عن السلطة، خاصة ان الأمور قد آلت إلى شقيقه وساعده الأيمن راؤول.

لكن الأخير أطلق عقال التغيير بعد اقل من شهر على توليه قمة القيادة في بلاد تتوق إلى الخروج من العزلة المفروضة على النظام السياسي الذي تمسك بالتغريد خارج السرب رغم انهيار المنظومة الشيوعية في عقر دارها بزوال الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

اليوم يتهافت الكوبيون على شراء أجهزة الهواتف النقالة والكمبيوتر بعد السماح ببيعها في الأسواق، ويسارعون لامتلاك الدراجات النارية، وحتى النوم في الفنادق، فقد جاء الوقت للتمتع بمباهج الحياة التي كلفت البعض حياته، وهو يصارع الأمواج من اجل الوصول إلى السواحل الأميركية لنيل نصيبه من الفردوس المادي الذي حلم به كثيرون، فاختاروا التمرد على القيود التي كبلتهم على مدى سنوات طوال من عمر ثورة فشلت لأسباب عديدة في تحقيق الأحلام.

الشعوب تلتف عادة حول الأفكار والمعارك التي تلبي طموحها في الحياة الأفضل، وسرعان ما تنفض عن أي كان طالما دخل بأحلامهم إلى النفق المظلم، وهذا ما حدث ويحدث الآن في كوبا، ولن تفلح انتقادات كاسترو نفسه من فوق سرير المرض في منع الكوبيين من امتلاك أجهزة الاتصال الحديثة التي تربطه بعالم هو قرية كونية صغيرة يصعب العيش خارجها.

وما فعله راؤول مجرد بداية لتغيير عاصف في كوبا خلال الفترة المقبلة، فمن يجرب الحرية، يصعب عليه التنازل عنها، حتى وان جاءت هذه الحرية في البداية على شكل منحة من الحاكم، بالسماح للمتاجر ببيع عشرات البضائع الكهربائية التي كانت محظورة في السابق.

الطوابير الطويلة من الكوبيين أمام محال بيع مشغل أقراص الفيديو المدمجة، ليست شيئا هينا، وان بدت في الظاهر مجرد رغبة في الحصول على شيء كان محظورا امتلاكه، فالدرس اكبر وأعمق من ذلك بكثير، وهو تجلي لحالة من الرفض للقيود التي أخذت أشكالاً عدة اقلها الحرمان من اقتناء سلعة.

لكن السؤال، هل ستقود التغييرات والتحولات كوبا إلى الأفضل؟ وهل ستكون الأيام المقبلة أكثر سعادة للطبقات الفقيرة التي تعاني في كل العهود بغض النظر عن النظام المتبع؟ ربما تكون في تجربة الانفتاح الاقتصادي في مصر اجابة، فقد حول «انفتاح السداح مداح» التعبير الشهير للكاتب الراحل احمد بهاء الدين، البلاد إلى ساحة لتركز الثروات في جانب وزيادة الفقراء فقرا آخر، ومن يومها يدفع المصريون أثماناً باهظة مقابل تحقيق جزء من رغباتهم في اقتناء ملابس مستوردة، وإدخال بيوتهم سلعا كمالية كانت يوما ما لا تدخل البلاد إلا بضوابط.

مصر تعاني اليوم من شح في الغذاء واصطفاف طويل أمام المخابز للحصول على الرغيف وليس السلع الكمالية، التي كانت حلما فجرته موجة من تسويق الأحلام الكاذبة، أثبتت الأيام انها مجرد اوهام، وجرى في سبيلها التضحية بزراعة القمح المحصول الاستراتيجي، لغرس ثمار الفراولة والكانتالوب، وها هي النتيجة: شهداء من اجل الخبز.

تتلهف الشعوب في بعض الأوقات على التغيير لمجرد التغيير، فإذا بها تقع فيما هو أسوأ من الواقع الذي اعتقدت انه السوء بعينه، فتدخل من جديد في دائرة جهنمية يصعب الفكاك منها، تدهس عجلاتها من ظن أن الطفو فوق السطح أصبح ميسوراً وسهل المنال، فكان كمن وقع أسير سراب في الصحراء القاتلة.

فهل يجد الكوبيون أنفسهم بعد سنوات في حالة أشبه بما آلت إليه الأوضاع في مصر، يقفون في طوابير طويلة لشراء الخبز بدلا من الهواتف النقالة؟ وهل سيكون من امتلك مشغل أقراص فيديو، أفضل حالا وهو لا يجد ما يطعم أفواه أبنائه، ربما هذا ما أراد كاسترو توصيله إلى رفاقه بانتقاده لخطوات التغيير بالأجهزة الالكترونية.