مع اقتراب الذكرى الخامسة لسقوط بغداد ، يبدو المشهد العراقي أكثر سوءا وإيلاما ، في ظل اختلاط الأوراق والاقتتال الطائفي ، والانقسامات بين أفراد الطوائف نفسها ، والتقسيم الفعلي للعراق الشقيق إلى ثلاثة أقسام ، وانتشار الفساد وميليشيات الموت ، وسوى ذلك من عبث وتدمير أدى في مجمله إلى هجرة أكثر من أربعة ملايين عراقي من وطنهم ومقتل حوالي مليون ، حيث يعثر يوميا على عشرات الجثث ملقاة في دجلة وفي عرض الشوارع والساحات العامة ، إلى جانب عدم توفر المياه الصالحة للشرب والكهرباء لنسبة كبيرة من المواطنين ، وتراجع الخدمات الصحية بعد هجرة الكوادر الطبية في ظل الانفلات وتدهور الأمن والقتل على الهوية.
هذه الأوضاع المأساوية هي الحصيلة الفعلية للاحتلال الأميركي للعراق الشقيق ، فالاحتلال هو السبب الرئيس للحرب الأهلية ، وللانقسامات بين الطوائف ، والسبب الرئيسي للإرهاب ، وللفساد حيث يحتل العراق اليوم في منظمة الشفافية الدولية المركز الأخير ، إضافة إلى ما نشر من سرقة أكثر من تسعة مليارات من الدولارات ، وتقديم بعض المسؤولين إلى المحاكمة وملاحقة آخرين هربوا إلى الخارج.
سوء الأوضاع في كافة المناحي هو الصفة العامة للعراق المحتل كما أجمعت المنظمات الدولية من مثل منظمة العفو والصحة العالمية ، وهي شهادة دامغة على كذب وزيف الادعاءات الأميركية ، فأين هي الديمقراطية التي وعدت بها واشنطن العراق لتخليصه من الحكم الديكتاتوري ، وهل زج عشرات الألوف في السجون وانتهاك حرمتهم كما جرى في سجن أبو غريب من اعتداءات جنسية واطلاق الكلاب على المساجين هو الديمقراطية؟ وهل تقسيم العراق فعليا واطلاق لعنة الطائفية والحرب الأهلية بين السنة والشيعة من مفردات الديمقراطية الأميركية؟
ما يجري في أرض الرافدين ليس سرا في ظل الاحتلال الأميركي ، حيث ثبت ومن خلال الواقع والممارسات أن واشنطن لا بهمها نشر الديمقراطية ولا الإصلاح ، وإنما يهمها أولا وأخيرا السيطرة على النفط وتحقيق إستراتيجية المحافظين الجدد بإقامة شرق أوسط جديد.
لا نريد أن نخوض في آثار الحرب على الشارع الأميركي ، بعد مقتل أكثر من 4000 جندي أميركي وإصابة حوالي 60 ألفا بجروح ، وخسارة الاقتصاد الأميركي لـ 4 تريليونات دولار بفعل المقاومة المشروعة ، مما أدى إلى انقسام خطير في هذا المجتمع ، فالديمقراطيون يطالبون بالانسحاب في حين يصر الجمهوريون على البقاء في العراق لسنوات طويلة كما صرح ماكين المرشح الجمهوري خلال حملاته الانتخابية.
خطورة ما يجري في العراق هو وجود أيد خفية وانقسام العراقيين بين مؤيد للاحتلال ومعارض يطالب بالانسحاب ويتخذ المقاومة المشروعة وسيلة لطرد الاحتلال ، وفي كل ذلك فلا بد من الحوار ولا بديل عن وحدة الشعب العراقي بكل طوائفه للخروج من الواقع الراهن المأزوم الذي فرضه الاحتلال ، والذي لن يتحقق إلا برحيله.
