يخرج علينا المسؤولون الإسرائيليون بتصريحات تفوح منها رائحة البارود، وتحفل بألفاظ وعبارات تدور جميعها حول كلمة واحدة: الحرب.

هذا هو الأمر الطبيعي الذي لا يمكن أن يفاجئ أحداً ما دامت إسرائيل قامت على الحروب والدمار والإرهاب، وعاشت على هذه الأسس ولا يمكنها الاستمرار إلاّ وسط أجواء التوتر والانفجار. ‏

لا نظن أن مفردة السلام موجودة في قاموس الصهيونية العالمية، ولا في «أدبيات!» الفكر الصهيوني المؤسس لإسرائيل. ‏

هنا، لا نريد استرجاع القواعد الإيمانية عند الصهاينة ـ الإسرائيليين والأميركيين معاً ـ فهذه القواعد التي جمعها حاخامات بني صهيون على مدى ما يقرب من ستمئة عام، و«أصدروها» في كتاب يعرف بـ«التلمود» تضج بعبارات القتل والدمار وسفك الدماء والعنصرية، لكنها لا تتطرق إلى السلام، ومع من سيقيم الصهاينة السلام؟ هل مع الأغيار وباقي الأمم؟ أليست شعوب الأرض ـ حسب مزاعم التلمود ـ خلقها الله لتخدم اليهود؟ ‏

وأيضاً: ألا تضع تعاليم التلمود العنصرية بني البشر في خانة الحشرات والبهائم التي لا يجوز التعامل معها إلاّ على هذا الأساس؟ ‏

قلنا: لا نريد استرجاع القواعد الإيمانية للصهاينة التي تعتبر السيد المسيح «ساحراً ووثنياً» وأنه موجود «في الجحيم بين الزفت والقار».. لكن التذكير بمثل هذه القواعد، وبهذه النصوص التلمودية يجعلنا لا نستغرب إحجام إسرائيل عن السلام وفكرة السلام، وبالتالي اعتمادها لغة الحرب والإبادة والعنصرية ضد العرب الذين وصفهم كبير حاخاماتهم بأنهم حشرات وصراصير يجب إبادتهم. ‏

الفكر الصهيوني هو النقيض الكامل للسلام، لذا فإن أي حديث إسرائيلي عن السلام، ليس إلاّ للتضليل والخداع وذر الرماد في العيون. ‏

ولو كان الإسرائيليون جادين في حديثهم بين فترة وأخرى عن السلام لما رفضوا منذ عام 2002 أول مبادرة سلام عربية يتبناها العرب بالإجماع في قمة بيروت العربية، وهي مبادرة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ولكنها في الحقيقة تمثل تنازلاً عربياً كبيراً لمصلحة إسرائيل التي اغتصبت من دون وجه حق، وبإرادة دولية، وبتشريع استعماري، فلسطين بكاملها، فصار لزاماً علينا كعرب أن نفاوض هذه الإسرائيل على إعادة بعض أرضنا المحتلة والتخلي عن بعضها الآخر، أي عن فلسطين. ‏

القبول بقرارات الأمم المتحدة من قبل العرب يعتبر قمة التنازل، والخط الأحمر الأخير الذي لا يجوز تجاوزه، ومع ذلك، فإن إسرائيل ومن يدعمها ويرعاها، ليسوا راضين عن ذلك. ‏

الكذبة الكبرى التي يخدعون العالم بها أن فلسطين هي أرض الميعاد، وأن الصهاينة عادوا إلى هذه الأرض التي يمتلكونها منذ آلاف السنين، مع أن التاريخ يؤكد لنا أنه لم تقم دولة لليهود في المشرق العربي إلاّ لفترة صغيرة لا تتجاوز القرن، وعلى جزء صغير من هذا المشرق العربي، في حين أن التاريخ نفسه يؤكد أن العرب هم أصحاب الحضارة والأرض والتراث وهم الذين بنوا وزرعوا أرضهم على مدى أكثر من عشرة آلاف سنة. ‏

ليس غريباً أن يكون حديث الإسرائيليين هو حديث حرب وعدوان، خاصة أن عقدة اغتصاب الأرض والحقوق تلازم الإسرائيليين دائماً، وتشعرهم بأنهم مؤقتون لا جذور لهم في هذه المنطقة، وأنهم مجرد مغامرين وشذاذ آفاق ومحتلين للأرض التي لا يملكونها. ‏

حديث الحرب الإسرائيلي قابله على مدى سنوات طويلة حديث السلام العربي، ومثل هذا «الحوار» لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة، خاصة أن القوى الكبرى في العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، تتكلم باللغة الإسرائيلية وتفكر على الطريقة الإسرائيلية وتحتكر لغة الحرب على امتداد العالم، وها هي الإدارة الأميركية تتجاهل مصالح دول عظمى، كالاتحاد الروسي وتقرر توسيع خطر حلف الناتو ليلامس حدود روسيا، ويتهدد العالم أجمع، ليس فقط من خلال إحياء الحرب الباردة، بل تصعيد الأوضاع على الساحة الدولية بما يجعل خطر نشوب حرب عالمية جديدة وارداً، ما دامت الحروب هي الأداة التي تظن الإدارة الأميركية، ويظن المحافظون الجدد، أنها القادرة على تكريس القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً بلون صهيوني خالص. ‏

في ظل ما هو قائم في المنطقة، وفي ظل وجود إدارة أميركية متصهينة لا تتقن لغة الحوار إطلاقاً، ولا تتحدث إلاّ بلغة الحروب والدمار، يصبح السلام كلمة لا وجود لها إلاّ في القواميس والمعاجم، ولا انعكاس لها على الأرض. ‏

ومن دون مبالغات نقول: الأوضاع خطيرة جداً ليس على مستوى المنطقة، بل على المستوى العالمي، وهذا يتطلب أولاً تضامناً عربياً حقيقياً، وتعاوناً وتنسيقاً متواصلاً على مستوى العالم، لمواجهة هذا الجنون الأميركي. ‏