في إشارة إلى أحد إيجابيات قمة دمشق قال الرئيس السوري بشار الأسد إن القادة العرب الذين حضروا القمة تحدثوا بصراحة، وإنهم (في تطور لافت) تعاتبوا وقبلوا العتاب من بعضهم البعض. ولا شك أن هذا أمر إيجابي في ظل الأجواء التي سبقت المؤتمر وصاحبته، ومع التوقعات بانفجار الخلافات داخل المؤتمر بعد أن أدت الخلافات إلى غياب قادة دول رئيسية مثل مصر والسعودية عن القمة.

ولكن ظهر بعد ذلك حرص الأطراف كلها على عدم تصعيد المواقف، وترك الباب مفتوحاً لمحاولات رأب الصدع حتى لا تصل الأمور بعد القمة إلى ما هو أسوأ بكثير. وهو الأمر الذي سمح بطرح ملف الخلافات العربية ـ العربية على القادة الذين حضروا قمة دمشق لتتم مناقشات قيل إنها اتسمت بالصراحة، وليكون هناك عتاب كما قال الرئيس السوري، والأهم أن يكون هناك تقبل لهذا العتاب.

ولكن ما اعتبره الرئيس السوري إيجابيا، وهو كذلك بالفعل، يثير المخاوف من أن نكون ماضين في نفس الطريق الذي سرنا فيه طويلاً، والذي يعكس بعض مظاهر الأزمة التي يعيشها النظام العربي. فالعتاب قد يصلح لتطييب الخواطر وإنهاء سوء التفاهم بين الأشخاص، ولكنه لا يصلح لإنهاء الخلافات بين الدول.. خاصة إذا تضاربت المصالح، وتباعدت المسافات، وافتقد الجميع الرؤية المشتركة التي تجمعهم في طريق واحد.

وإذا كانت الجلسة المغلقة التي خصصت ليبحث الزعماء في الخلافات العربية ـ العربية قد وفرت هذه الفرصة للمصارحة والعتاب، وإذا كان غياب الطرف الأساسي الآخر في الخلاف الأخير مع غياب قادة مصر والسعودية والأردن، قد وفرت الفرصة لقبول العتاب باعتبار أن القادة الحاضرين ليس بينهم من الخلافات الكثير، وباعتبار أنه كان هناك حرص من كل الأطراف على التمسك بأجواء التهدئة وإبقاء أبواب المصالحة مفتوحة.

إلا أن ذلك ينبغي أن ينبه الجميع إلى مخاطر الاكتفاء بالعتاب المتبادل، الذي يقودنا ـ كالعادة ـ إلى العناق وتبويس اللحى بينما المشاكل كما هي تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر في وجوهنا، وتبقى الخلافات وتضارب المصالح يعطلان أي سعي جاد لبناء موقف عربي واحد تجاه أي مشكلة أساسية.

المطلوب الآن أكثر من العتاب وقبوله، وأبعد من المصالحة الشكلية التي تعودنا عليها وأبقت العمل العربي المشترك يتخبط في أزمته التي جاوزت الآن كل حد. المطلوب الآن أن ننطلق من نقطة الاعتراف الذي تم بخطورة الوضع العربي وبأننا نواجه سؤال المصير: نكون أولا نكون، إلى توافق على استراتيجية مشتركة لمواجهة التحديات الهائلة التي تحيط بنا والتي لم تعد تهدد وضع هذه الدولة العربية أو تلك، بل أصبحت تهدد الوجود العربي كله.

والمطلوب ألا تبقى هذه الإستراتيجية العربية مجرد حبر على ورق، بل أن تتحول إلى برنامج عمل يحدد المشاكل وسبل العلاج، ويضع البرامج التفصيلية للمواجهة. برنامج عمل يجمع القدرات العربية المادية والبشرية ويوظفها لتحقيق الأهداف وتأكيد الوجود العربي، ونقل العرب من دائرة الغياب التي أدمنوا البقاء فيها إلى دائرة الفعل والقدرة على التأثير، وإخراجهم من هذه الحالة البائسة التي يمر بها النظام العربي حيث يتقرر مصير المنطقة لأجيال قادمة من جانب القوى العالمية والإقليمية.

بينما أطراف النظام العربي الفاعلة تكتفي بالفرجة حينا، وتبادل الاتهامات حينا آخر، بينما الجماهير لا تعرف إن كانت الأيام القادمة ستقود الجميع إلى طريق المصالحة أم إلى مواجهة قد تدق المسمار الأخير في نعش النظام العربي بصورته الحالية، وهو ما يسعى إليه ويخطط له أعداء الأمة منذ أن ولد هذا النظام؟!

إن نقطة الضوء في قمة دمشق هي إحساس الجميع بحجم المخاطر التي تتعرض لها الأمة، واعتراف كل الأطراف أن غياب الموقف العربي المشترك يمثل كارثة على الجميع، وإدراك الجميع أن أي طرف خارجي لن يضمن الحماية لطرف عربي إذا تعارضت المصالح.. وهي حتما ستتعارض!!

ومن هنا فإننا نتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة في أن يسعى الجميع إلى بداية جديدة، وأن تكون البداية صحيحة هذه المرة بالتوافق على استراتيجية للعمل العربي المشترك، والبدء في وضع برامج العمل لمواجهة المشاكل المصيرية التي تهددنا، من لبنان إلى فلسطين إلى العراق.

ومن قضايا التخلف العلمي إلى أزمة الغذاء التي تهدد نصف العرب بالمجاعة بعد الارتفاع الجنوني في الأسعار، والانتقال إلى العمل المؤسسي الذي يقوم عي تنظيمات فاعلة للأمن المشترك والتكامل الاقتصادي، وتخطيط دقيق للتقدم العلمي والتعليم، وآلية فاعلة لفض المنازعات بين الدول العربية.

وبدون ذلك سوف نظل بين خيارين كلاهما أسوأ من الآخر.. مصالحه شكلية تبقي الصراعات العربية ـ العربية على حالها، أو الانجرار إلى صراع يزيد الانقسام ويبدد ما تبقى من قدرة عربية على الصمود في وجه الأزمات. وفي الحالتين سوف تكون حصيلة العمل العربي صفرا كبيرا، وسوف تستمر حالة العجز والغياب، وسوف يصبح وجودنا نفسه مهدداً، وسوف نتذكر ذات يوم أننا كنا عرباً يسعون لوحدتهم واستقلالهم ويملكون كل الإمكانيات ليحققوا ذلك، ثم بددوا كل ذلك بالخلافات والصراعات، وتصوروا أن في الغياب السلامة، وفي العتاب الكفاية لتجاوز الأزمات!

العتاب مقبول والجهود التي تتم لاستمرار أجواء التهدئة وتحقيق المصالحة أمر طيب، ولكن المطلوب أن نتجاوز ذلك كله وأن نسلك الطريق الصعب للمستقبل.. فهل نفعل؟!

صحافي مصري