لا شك أن الطفرة الكبيرة في أسعار الطاقة في السنوات القليلة أنعشت اقتصاديات الدول المنتجة للطاقة بشكل كبير، وربما ضاعفت عائدات هذه الدول بشكل يساعدها على تحقيق تنمية واسعة، ولكن لا يمكن الجزم بأن جميع الدول المنتجة للطاقة استفادت من هذه الطفرة وحققت بالفعل تنمية واسعة، و بالنظر لدولة مثل روسيا الاتحادية التي تعد من أكبر دولتين منتجتين للطاقة في العالم مع المملكة العربية السعودية.

حيث تحتكر روسيا وحدها أكثر من ربع الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي وثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، ومع وجود روسيا خارج منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» مما يعطيها مساحة أكبر من الحرية في كميات الإنتاج والتسويق، فإنه من المفترض أن تكون روسيا من أكثر المستفيدين بطفرة أسعار الطاقة.

وهذا واقع بالفعل، وعلى الرغم من زيادة معدلات التنمية و تحسن الاقتصاد الروسي خلال الأعوام الخمسة الماضية، إلا أن حجم التنمية في مختلف المجالات في روسيا لا يتناسب مع عائدات هذه الطفرة في أسعار الطاقة، و لا يرجع هذا لقصور في الإدارة أو التخطيط أو التوزيع للثروات بقدر ما يرجع لظروف خاصة مرت بها روسيا خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، ولا تخفى هذه الظروف على أحد .

ويحلو للكثيرين وخاصة في الدوائر الغربية أن يرجع التنمية والإنجازات التي حدثت في روسيا خلال السنوات الخمس الماضية لعائدات الطاقة الكبيرة من النفط والغاز الطبيعي، والبعض هناك في الغرب يبالغ في هذا الأمر، ربما من باب سوء النية، إلى حد القول إن ما حققه نظام الرئيس فلاديمير بوتين من إنجازات ونجاحات خلال السنوات الخمس الماضية أقل بكثير مما يجب أن يتحقق.

ويحيل أصحاب الرأي السبب في ذلك إلى السياسة غير الصائبة لنظام الرئيس بوتين في الإنفاق الباهظ على السلاح والتصنيع الحربي والقوة العسكرية وكأن البلاد تستعد لخوض حروب واسعة، ويوجه أصحاب هذا الرأي انتقاداتهم لسياسة الرئيس بوتين في الجانب الاجتماعي قائلين إن نسبة الفقر في المجتمع الروسي ما زالت مرتفعة.

بينما مستوى الثراء لدى بعض الفئات من المجتمع زاد بشكل كبير وفاق التوقعات لدرجة أن روسيا أصبحت تحتل المركز الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة في عدد المليارديرات والمليونيرات، وزادت الأسعار في المدن الروسية لدرجة أن العاصمة موسكو أصبحت أغلى مدينة في العالم في عام 2007.

خلاصة انتقادات أصحاب هذا الرأي هي، أن ما حدث من إنجازات هو نتيجة عائدات النفط والغاز ولكنها إنجازات أقل بكثير مما يجب أن يتحقق بسبب إهدار الكثير من عائدات الطاقة في التسليح والتصنيع الحربي .

ونرد على أصحاب هذا الرأي الذي أصبح سائدا في الدوائر الغربية بشكل ملحوظ لنقول، إن ما تحقق من إنجازات كبيرة في عهد الرئيس بوتين لم يكن سببه الأساسي ارتفاع أسعار الطاقة، بل هناك أسباب أخرى أكثر أهمية بكثير، وعلى رأسها حسن إدارة وتوجيه عائدات مبيعات الطاقة، فروسيا كانت دائما دولة منتجة للطاقة بكميات هائلة، سواء في الحقبة السوفييتية أو ما بعدها.

ولكن أين كانت تذهب هذه العائدات، بالقطع لم تكن تذهب للتنمية والبناء وإلا ما انهار الاتحاد السوفييتي، فقد كان أكثر من نصف عائدات الطاقة يذهب في الإنفاق على التسليح والأمن والاستخبارات، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي استمر تدفق النفط والغاز الروسي وبغزارة شديدة بسبب عدم وجود رقابة حكومية وسيطرة مجموعة من رؤساء العصابات والمافيا وأصحاب المصالح الخاصة على شركات الإنتاج ورغبتهم في استنزاف الثروات بأكبر وأسرع قدر ممكن.

لقد شهدت التسعينات فوضى وفسادا كبيرين أضرا بشكل كبير بقطاع الإنتاج الروسي في الطاقة وغيرها من مجالات الاقتصاد الأخرى، و حقق النفط والغاز عائدات هائلة للمسيطرين على شركات الإنتاج لم يستفيد منها الاقتصاد الروسي في شيء، فقد كانوا هؤلاء يسيطرون على أكثر من 80% من شركات إنتاج الطاقة في روسيا، ولا يدفعون ضرائب ولا رسوم تصدير للدولة، و من هنا جاء عشرات المليارديرات وآلاف المليونيرات الروس، وكان لابد من وضع حد لهذا التدهور الاقتصادي.

شهد عهد الرئيس بوتين عودة سيطرة الدولة على قطاع الطاقة بشكل كبير، وأصبحت الدولة تحصل على العائدات من بيع النفط والغاز، ولكن قطاع الطاقة الروسي بعد سنوات التسعينات كان قد وصل إلى درجة كبيرة من التدهور والضعف في النواحي الفنية، مما استلزم توجيه جزء كبير من العائدات لإعادة بناء هذا القطاع و تحسين أوضاعه حتى يستطيع الاستمرار في الإنتاج.

كما أن هذا الإنتاج الضخم يحتاج لوسائل كبيرة وحديثة للتصدير، الأمر الذي استهلك أموالا كبيرة في بناء وإعادة بناء وإصلاح خطوط نقل النفط والغاز للخارج، بدون تحسين هذه البنية التحتية للإنتاج لا يمكن أن يستمر الإنتاج أو يتطور، بل يبقى معرضا للكوارث والأزمات، وقد نجحت الدولة في هذا المجال بشكل كبير فأصبحت روسيا لا ينافسها أحد في العالم في خطوط نقل الطاقة للعالم، وذلك في فترة زمنية محدودة.

ومازالت التنمية في هذا القطاع مستمرة وسوف تعود بالنفع الكبير وبالعائدات الكبيرة على قطاع الطاقة في المستقبل، حتى لو انخفضت أسعار النفط، و سوف يحسب هذا الإنجاز الكبير في البنية التحتية لإنتاج الطاقة الروسي لنظام الرئيس بوتين دائما، ولم يكن لهذا الإنجاز أن يتحقق إلا في ظل نظام وطني يعمل لمصالح الوطن، إذ لا يمكن لعاقل أن يتصور أن زعماء المافيا والأثرياء غير الشرعيين الذين انكبوا على نهب ثروات الشعب سوف يفكرون في إنفاق سنت واحد على تطوير البنية التحتية.

أما الإنفاق العسكري فهذا أمر لا صلة له بالاستعداد لخوض الحروب وتكوين الأحلاف والتكتلات الدولية، بل هو موجه في الأساس لتنمية التصنيع الحربي كمصدر من مصادر الإنتاج والاقتصاد، فقد أصبحت روسيا في خلال الأعوام الخمسة الماضية ثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم، وتبيع السلاح لأكثر من ثلث دول العالم، وبالتالي فتنمية التصنيع الحربي الروسي يدخل أيضا في إطار التنمية الاقتصادية.

وقد تم بالفعل إعادة بناء المجمع الصناعي الحربي الروسي وتزويده بأحدث التقنيات والإمكانيات، وهكذا تم استغلال عائدات الطاقة أفضل استغلال، ويمكن بالفعل القول إنه لو عادت أسعار النفط للتراجع والانخفاض (وهذا لن يحدث في رأينا بشكل كبير) فإن روسيا لن تتأثر بشكل كبير كما يتوقع الكثيرون، فقد نوعت مصادر إنتاجها ولم تعد تعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط والغاز .

مركز دراسات الطاقة الروسي