بفوز تحالف أحزاب المعارضة الرئيسية بأغلبية كبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة في باكستان على تحالف أحزاب الموالاة للرئيس الباكستاني، دخلت باكستان الإسلامية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية في بلد أصبح له رئيسان الأول للجمهورية والثاني للحكومة لا يتفق أحدهما مع الآخر بل يسعى كل منهما للإطاحة بالآخر، ليس فقط لاختلاف التوجه السياسي لكل منهما، وإنما للميراث الطويل من الخصومة والاتهامات المتبادلة خصوصا بعد الأحداث المأساوية باغتيال الزعيمة المعارضة بنازير بوتو زعيمة حزب الشعب الباكستاني واتهام الحزب للرئاسة بالتورط فيها .
وبتشكيل الحكومة الباكستانية برئاسة أحمد جيلاني بناء على نتائج هذه الانتخابات بالائتلاف بين الحزبين الرئيسيين المعارضين، حزب الشعب الفائز بالأغلبية بزعامة آصف زرداري زوج الراحلة بوتو، مع الحزب المعارض الرئيسي الثاني الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني المنتخب الأسبق والذي خرج عليه رئيس أركانه الجنرال برويز مشرف بانقلاب عسكري استولى به على السلطة بدون انتخاب، فإن العيون تتركز الآن على ما بعد مشاهد الانقلاب الدراماتيكي، والاغتيال الدراماتيكي، والمشهد الانتخابي إلى مجمل المشهد السياسي الباكستاني الجديد.
هذا المشهد الجديد الذي قلب المعادلة السياسية القائمة لنظام الجنرال مشرف المدعوم من الإدارة الأميركية والأقل شعبية، والأضعف قوة سياسية، أتى بمعادلة جديدة ليست في صالح مشرف، وليست كما تشتهي الرياح الأميركية التي تعتمد على مشرف فيما تسميه «الحرب على الإرهاب».
وذلك حين تشير النتائج الانتخابية إلى تصاعد الرفض الشعبي في باكستان الإسلامية لكل ما جرى من مشاهد غير ديمقراطية وغير استقلالية ومتعارضة مع رؤى القوى السياسية الديمقراطية والإسلامية معا، ليضع الواقع الجديد أكثر من علامة استفهام حول المستقبل السياسي لهذا النظام، ويقلص تأثير الضغوط الأميركية على السياسة الباكستانية.
لقد بدا لافتا أن الائتلاف الحكومي الجديد هو امتداد للتحالف السابق على الانتخابات بين الزعيمين الكبيرين: بنازير العلمانية وشريف الإسلامي الذي تأسس في لندن، وتعزز في إسلام أباد لاستعادة مسيرة الديمقراطية الباكستانية التي قطع انقلاب الجنرال مشرف مسارها، معيدا الذكريات السابقة لفترات الحكم العسكري والانقلابات على الحكومات الديمقراطية.
كما بدا لافتا أن رئيس الحكومة الجديد رئيس البرلمان السابق خرج من سجن مشرف إلى الحكم في مواجهة مشرف، و كان قراره الأول بإعادة القضاة المفصولين رسالة مضادة لمشرف، وأن شريف مصمم على أن سحب الشرعية عن مشرف، كما بدا لافتا ذلك التوتر العلني والمكتوم من بعض وزراء الحكومة الجديدة الذين علقوا شارات سوداء، ورفضوا تناول الغداء مع مشرف بعد أداء اليمين، فإلى ماذا ستقود هذه البداية؟
لقد تعثرت الديمقراطية في السابق بسياسة الأحلاف الإقليمية التي حاولت أميركا وبريطانيا فرضها على المنطقة من خلال حكومات موالية لها على عكس إرادة شعوبها في إطار الحرب على الشيوعية إبان الحرب الباردة بين المعسكرين، كما واجهت الانتكاسات بمسلسل الانقلابات العسكرية الباكستانية بدءاً بانقلاب الجنرال أيوب خان، ومرورا بالجنرال يحيى خان، والجنرال ضياء الحق، وانتهاء بالجنرال مشرف.
ولفت النظر أن أميركا الديمقراطية كانت الحليف والداعم الرئيسي للدكتاتورية العسكرتارية الباكستانية! وربما نتذكر أن باكستان لم تبدأ مسيرتها الديمقراطية بعد الاستقلال إلا بأول انتخابات حقيقية جرت عام 1970، والتي فاز فيها الزعيم الباكستاني الراحل ذو الفقار علي بوتو واختلف فيها مع الفائز الثاني الزعيم البنغالي الشيخ مجيب الرحمن حول الدستور.
وانتهى الصراع السياسي بمأساة دراماتيكية انقسام باكستان إلى شرقية وغربية بتدخل هندي مباشر ودعم غربي سياسي، ومنذ ذلك الوقت مازالت التجربة الديمقراطية الباكستانية تواجه الانتكاسات، وكردود فعل لذلك تواصل الأحداث الدراماتيكية سيرها بما هو أسرع من الديمقراطية.
فهل سيكون المشهد الجديد الذي مازال تحت الاختبار هو البداية الجديدة الأكثر استمرارا لهذا التحالف الديمقراطي أم تنقلب الصورة الباكستانية مرة أخرى بالانقلاب على الديمقراطية باسم الديمقراطية ؟!