في سياق حملته الانتخابية ضد منافسته السيدة هيلاري كلينتون يعلن باراك أوباما ويكرر الإعلان أنه في حالة فوزه بمنصب رئيس الولايات المتحدة فإنه سوف يفتح حواراً مع قادة كل من إيران وكوبا وكوريا الشمالية. والسيدة كلينتون تعلن بدورها معارضة هذا التوجه استناداً إلى أن هذه القيادات «الإرهابية» تشكل الخطر الأعظم على الأمن القومي الأميركي.

أوباما وكلينتون ينتميان كلاهما إلى «الحزب الديمقراطي» ـ والسؤال الطبيعي الذي يطرح في هذه الحالة هو: أيهما يمثل الخط السياسي المعتمد للحزب؟ لكن محاولة الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلا إلى طريق مسدود لأن الترتيب المنطقي يقتضي بالضرورة أن نطرح أولاً تساؤلاً سابقاً عليه، وهو: هل للحزب الديمقراطي أصلاً موقف معتمد رسمياً تجاه أي من القضايا الداخلية أو الخارجية الأساسية التي تهم جمهور الناخبين الأميركيين؟

التساؤل نفسه ينطبق على «الحزب الجمهوري» المنافس، ما هو متعارف عليه عالمياً أن الحزب السياسي كيان له توجه فكري أو أيديولوجي معين وآليات تنظيمية تمارس نشاطاً يومياً متصلاً لخدمة أهداف ومصالح الحزب استرشاداً بذلك التوجه الفكري أو الأيديولوجي، وتأسيساً على هذه الحقيقة العالمية نستطيع أن نقول إن أياً من الحزبين الأميركيين غير جدير بأن نطلق عليه اسم حزب.

فبالإضافة إلى أن أياً منهما ليس لديه توجه فكري أو أيديولوجي رئيس فإنه أيضاً ليس لدى أي منهما رئيس أو أمين عام أو مكتب سياسي أو لجنة مركزية، وبالامتداد ينبغي ألا يكون مثار دهشة أن كلا من هذين الحزبين ـ اللذين لا ثالث لهما من حيث الحجم والتأثير ـ ليس لديه برنامج انتخابي مفصل ومعتمد رسمياً بالرغم من الزخم الإعلامي والدعائي للحملة الانتخابية.

هذه الحقيقة العظمى هي التي تجعلنا نفهم غلبة طابع الشخصنة على التنافس بين أوباما وكلينتون مثلاً ولماذا ينحصر العراك الدعائي بينهما على تبادل اتهامات تشهيرية تبلغ أحياناً مستوى غوغائياً. يعيب أوباما على غريمته مخاطباً تجمعاً جماهيرياً صاخباً بأنها صوتت في مجلس الشيوخ لصالح شن الحرب على العراق مما يدل على أنها تفتقر إلى الحكمة التي ينبغي أن يتحلى بها رئيس أميركي.

وترد السيدة كلينتون بنعت منافسها بأن خبرته السياسية متواضعة مما يجعله، لو صار رئيساً، غير قادر على التعامل مع أزمة خارجية طارئة، وبينما تعلن كلينتون أن منافسها شخص يقول ولا يفعل فإنه بدوره يتهمها بأنها تقول للجمهور الأميركي ما يجب سماعه لا ما يجب أن يقال، وهذا التقاذف بالطين يبلغ أحياناً مستوى فضيحة، فقد روت السيدة كلينتون في خطاب عام لكي تثبت جسارتها السياسية أيضاً سافرت ذات مرة إلى البوسنة خلال ظروف الحرب معرضة نفسها لمخاطرة جسيمة.

حيث هبطت من طائرتها وسط نيران كثيفة من مجموعة قناصة. لكن ثبت أن الرواية لا تخلو من تلفيق بعد أن عرضت شبكات تلفزيونية شريط فيديو لرحلة السيدة كلينتون تظهر فيه وهي تهبط من الطائرة وفي استبقالها أطفال يحملون باقات ورد!

هكذا يتضح أن الانتخابات الأميركية لعبة عبثية في ظل نظام حزبي لا وجود حقيقيا له، والقوى الحقيقية من وراء العملية الانتخابية لا ترى بالعين المجردة. فهي جماعات ضغط خفية في الخلفية تمثل مصالح وأهداف تنظيمات يهودية صهيونية و«لوبي» الصناعات العسكرية وغيرها، إنها القوى التي تتولى أمر تمويل الحملات الانتخابية، وبالتالي تتحكم في مصير المرشحين وجمهور الناخبين معاً.