ما تسرب عن قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بوخارست يحمل العديد من إشارات التفاؤل بعد عامين من أجواء الحرب الباردة التي خيمت على العالم محيية أجواء الحرب الباردة التاريخية ، حيث جاء التأكيد أمس على لسان الرئيس الأميركي جورج بوش، في تطمينات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه لا عودة إلى الحرب الباردة.

الحوار، ثم الحوار، ثم الحوار.. تلك هي الوصفة الطبية لحل الأزمات بين «الكبار»، فعقود الحرب الباردة التي انتهت مطلع العقد الأخير من القرن العشرين الماضي، أثبتت أن صراعات الكبار نار تحرق الدول الصغيرة، فضلاً عن استنزافها موازنات الدول الصناعية.

ومع ذلك، فتصريحات ولقاءات دول حلف الناتو مع الروس حتى الآن ترسم صورة وردية ولكنها للأسف لا تجد انعكاساً، وترجمة، لها على ارض الواقع. فالتوتر، والارتياب وعدم الثقة لا يمكن تغطيتها بغربال التصريحات الهادئة والباردة.. فمخططات حلف الناتو للتوسع وابتلاع دول حلف وارسو واحدة بعد أخرى تبث القلق في أرجاء الكرملين، حتى لو قال بوش لبوتين أو لخليفته ديمتري ميدفيديف: «لقد انتهت الحرب الباردة»®. فالسؤال الذي يبقى بلا إجابة: ما الغرض من الدرع الصاروخية؟

وهذا السؤال هو الهاجس الذي حمله بوتين إلى بوخارست أمس، والذي سعى إلى التعبير عنه بصورة المبادر الحسن النية، ونقصد عرضه العودة إلى معاهدة نزع الأسلحة التقليدية في أوروبا.. والشرط هو: حصول روسيا على تنازلات غربية.

الملفات المتوترة بين موسكو وحلف الأطلسي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، عديدة ربما تكون الدرع الصاروخية العنوان الأبرز فيها.. لكن هناك ضم الجمهوريتين السوفييتين جورجيا وأوكرانيا، وحتى استقلال كوسوفو عن صربيا، وكلها ملفات تقرع جرس الإنذار وتطلق في فضاءات أوروبا سحب المواجهة.

صحيح أن الطموح الإمبراطوري الروسي أفل، لكن المخاوف مما يخطط له في البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) وفي بروكسل (حيث مقر قيادة حلف شمال الأطلسي) تزداد اتساعاً وسخونة.. والجديد هذه الأيام مساعي الرئيس الأميركي جورج بوش ضم كل من جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، وهو المسعى الذي لم يجد صدى له بين قادة الدول الغربية الحليفة.

فإذا كان الروس ينظرون إلى انضمام هاتين الجمهوريتين إلى الحلف على أنه «خطأ استراتيجي كبير»، فإن الأوروبيين يرون في انضمام هاتين الجمهوريتين عبئاً غير ضروري، ونافذة لأزمة، وربما حرباً باردة، مع الجار الروسي سيتكبدون هم الجزء الأكبر من فاتورتها العسكرية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.

ويؤكد الروس على أنه لا يمكنهم البقاء على حافة الطريق ومشاهدة احدهم يتخذ قراراً والموافقة على قرارات اتخذها آخرون (الولايات المتحدة) تغير تماماً المعطيات في المستوى الأمني بالنسبة لروسيا، فإنها تتهم الولايات المتحدة باستخدام أساليب الحرب الباردة لإقناع أوروبا باستضافة الدرع المضادة للصواريخ التي تقول موسكو انها تمثل تهديداً لأمنها القومي.

لكن مجريات قمة الحلف يوم الخميس تثبت أن الأوروبيين سيشكلون «درعاً» وحائطاً جديدين لصد غيوم الحرب الباردة التي تريد أميركا بث بذورها، ربما للخروج من المآزق التي تمر بها في العراق وأفغانستان، وربما للسيطرة على القارة العجوز التي باتت تشكل تهديداً اقتصادياً لا يخفى على أي مراقب.