في كل إنسان عناصر خيرة، وشريرة، وأي منهما انتصر على الآخر سادت المثل العليا أو الجريمة، ومن هنا جاءت أحكام الدين الإسلامي الحنيف راقية وعظيمة في سن قضاء عادل يردع الجريمة ويعطي الحق، وحيث لا يوجد مجتمع ملائكة، ولا شياطين، فإن انتشار الفساد مشكلة عالمية لها جذور في جميع تواريخ الأمم، ولعل الرشوة والسرقة، والسطو على حقوق الآخرين والدول وأموالهم لم توقفها القوانين والشرائع، لأن الرادع الذاتي هو الحصانة الخاصة، وهو الأساس في السلوك السوي والمثالي..

نحن كأي مجتمع لديه فضائله ومثله، مقابل عناصر قلَّة تتجاوز نواميس الحياة وتحترف ما هو محرّم، والقياس هنا صعب في سلوك بشري عام، لكن نموذج الأشخاص الذين رفضوا الرشوة في موسم حج هذا العام وكافأهم خادم الحرمين الشريفين على أمانتهم وأخلاقهم يفرز لنا صورة تؤكد أننا بخير، ثم دعونا نتصور من خلال سلوك مناقض لهذا الموقف أي أن أي إنسان حصل على ثروة ما بطرق غير مشروعة، ثم أطعم عائلته وأمه وقدم لهم العطايا، وأرسلهم للحج والعمرة، وأقام بعض الصدقات، هل هذه الأفعال يمكنها أن تغطي المبدأ الذي قامت عليه هذه الثروات إذا كان المبدأ بجملته وكليته نشأ على محرم؟

هناك قول متعارف عليه، أن وراء كل ثروة تجاوزات أخلاقية وتتساوى بقوتها أو ضعفها تبعاً للأساس الذي قامت عليه، وأن الفقر المدقع، والغنى الفاحش هما رأسا الجريمة والفساد، وبصرف النظر عن تعميم، أو استثناء تطبيق هذه الأقوال وتحققها إلا أن السائد العام الذي نقلته لنا التواريخ، والحالات المشاهدة في عصرنا الحاضر تكشف هذه الحقائق، وترينا إياها..

لقد خرجت دراسات حديثة تكشف أن الفساد المستشري في الكثير من الدوائر، أو من خلال الصفقات التجارية نموذج دخيل على مجتمعنا رغم وجود الرقابة التي غالباً ما تكون غير فاعلة لنقص صلاحياتها أو بسبب تشكيلها الإداري وحتى لو اعتبرنا ذلك دون الظاهرة الخطيرة، فإن وجودها لا بد أن يخضع ليس للمساءلة فقط، وإنما لسن الروادع وإعلانها، لأننا مجتمع إسلامي لا يجوز فيه تجاوز حدود الشرائع، أو نقضها..

أذكر أن مسؤولاً كبيراً في إحدى الشركات حاولت شركات خارجية رشوته مقابل التغاضي عن العقود، والتنفيذ، وأمام رفضه وكشفه للواقعة كان مثار إعجاب واحترام الآخرين، وهي قابليات موجودة عند الكثيرين، وحتى الذين يعتقدون بأن مال الدولة مباح، يحملون صورة الإنسان غير المؤتمن على مهنته ووظيفته، وتبقى سلوكيات المواطن هي رأسماله الخاص، وعندما ينجح شعب ما في خلق بيئات أخلاقية تتساوى أمام الحق وتعاقب على الباطل، عندها تكون خير أمة، وخير شعب..