تغادر كوندوليزا رايس المنطقة بعد زيارة «استكشافية» للاطلاع على «وضع» المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وزيارة تهدئة و«تشجيع» على الحوار بين الطرفين. ويأتي الرئيس بوش في الشهر القادم ليشارك في احتفالات العيد الستين لإسرائيل وليعطي دفعا رئاسيا للمفاوضات التي لم تقلع بعد بالفعل رغم الحديث عن لقاءات جانبية عديدة وسرية بين وزيرة الخارجية الإسرائيلية ورئيس طاقم المفاوضات الفلسطيني أبو علاء. مفاوضات يصفها البعض بأنها نوع من مسار «أوسلو جديد» للدلالة على سريتها.

ويلتقي الرئيس الفلسطيني يوم 7 أبريل رئيس وزراء إسرائيل لتقويم الموقف لكن كافة الدلائل على الأرض وفي السلوكيات الإسرائيلية تؤشر على عدم حصول أي تقدم ملموس أربعة أشهر بعد اجتماع انابوليس. ينفتح المشهد في أزمة الشرق الأوسط على العناصر التالية:

1 - لا تقدم يذكر على صعيد المصالحة الفلسطينية الفلسطينية رغم لحظة الأمل التي مثلها الاتفاق في اليمن والذي قدم رزمة تسوية متوازنة وواقعية وشاملة مبنية على اتفاق مكة وإعلان القاهرة. لكن حجم الخلافات وعمقها ووجود أكثر من موقف ضمن كل طرف ورهانات على لعبة الانتظار لتحقيق انتصار على الآخر كلها عناصر نجحت في منع حصول رهان ناجح على المصالحة الفلسطينية الفلسطينية التي تبقى شرطاً أساسياً وضرورياً لتعزيز الموقف الفلسطيني وإعطائه المصداقية المطلوبة سواء في إدارة النزاع أو في إدارة التفاوض.

2- استمرار النشاط الاستيطاني الإسرائيلي تصاعدا سواء في القدس الشرقية أو فيما يسمى بالمستوطنات العشوائية أو في الضفة الغربية بشكل عام كما تشير الإحصاءات التي أوردتها حركة السلام الآن الإسرائيلية في تقريرها في شهر مارس. وإذا كان لا يكفي ما يجري على الأرض فان رئيس وزراء الإسرائيلي يؤكد استمرار البناء في القدس الشرقية باعتبار أنها ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية في أي اتفاق سلام كما يقول، مع التذكير أن خارطة الطريق تطالب بوقف أي نشاط استيطاني في الأراضي المحتلة عام 1967.

وقد كان الرئيس الفلسطيني واضحا عندما قال لوزيرة الخارجية الأميركية أن عودة الثقة في عملية السلام بالنسبة للفلسطينيين تستدعي أساسا خطوات أربع وهي وقف الاستيطان الكامل وإزالة الحواجز ورفع الحصار عن غزة وتسليم المعابر.وبالطبع مازلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق أي من هذه الخطوات.

3 - إستراتيجية «اللعب على المسارين» التي تمارسها إسرائيل وهي لعبة معروفة ومكشوفة منذ التسعينات من خلال توجيه إشارات ايجابية على المسار السوري بغية إحداث مزيد من الضغط وانتزاع مزيد من التنازلات في المسار الفلسطيني دون أن يعني ذلك بالطبع عدم اهتمامها بإعطاء أولوية في لحظة معينة للمسار السوري باعتبار أنه من منظور إسرائيل يندرج هذا المسار في إطار المواجهة الإستراتيجية مع إيران ومحاولة تشليح إيران هذه الورقة المهمة في حين تستمر إسرائيل في رفضها الإقلاع بالمفاوضات في المفهوم الشامل لهذه الأخيرة أي على المسارات الثلاث المتبقية، الفلسطيني، السوري، اللبناني دون ان يكون هنالك بالطبع ربط مباشر بين هذه المسارات.

4- تعامل واشنطن مع دبلوماسية التسوية العربية الإسرائيلية وبالأخص الفلسطينية الإسرائيلية كورقة أساسية في المواجهة الإستراتيجية الدائرة بينها وبين طهران مما يساهم في إضافة تعقيدات جديدة في ملف يتسم بالتعقيد الشديد أساسا: من الأمثلة على ذلك المعارضة الشديدة لحدوث مصالحة فلسطينية فلسطينية، إخضاع المسار السوري الإسرائيلي لاعتبارات المواجهة الإستراتيجية الإقليمية وعدم الحماس إن لم يكن المعارضة المبطنة لعقد اجتماع موسكو الذي اتفق عليه خلال اجتماع انابوليس كاجتماع متابعة وتقويم وإعطاء دفع للمفاوضات مع أحداث مقاربة شاملة تعنى بالمسارات الثلاث ولو بقي التركيز الأساسي والأولوية للمسار الفلسطيني كما تؤكد موسكو.

هذه العناصر الأربع تدل على سواد الوضع الحالي بعيدا عن التصريحات المتكررة والمتناثرة والواعدة بالتوصل إلى تسوية نهاية هذا العام، وهو ما تصرح به بعض الأوساط الإسرائيلية التي ترى إمكانية التوصل إلى «اتفاق مبادئ» يتناول قضايا المرحلة النهائية. اتفاق مبادئ يوضع جانباً فيما يسمى «باتفاق الرف» الذي تحدثت عنه كثيرا في الماضي كل من وزيرة الخارجية الأميركية ووزيرة خارجية إسرائيل على أن «يتم» إنزاله من على الرف وتطبيقه حسب القراءة الإسرائيلية عندما ينفذ الفلسطينيون التزاماتهم وفق خريطة الطريق.

وللتذكير فان هذه الالتزامات تقوم على محاربة العنف وتجريد الفصائل الفلسطينية من أسلحتها، فالمطلوب بشكل آخر حرب أهلية فلسطينية وإسقاط خيار المقاومة المسلحة بالمطلق في ظل الوعد الإسرائيلي بالتفاوض، وهي قراءة غير متوازنة بالطبع وترفض مبدأ التقابلية والتبادلية والتزامن فيما يتعلق بتنفيذ كل طرف لالتزاماته في خريطة الطريق المجمدة منذ اليوم الأول لتبنيها. فإسرائيل تفترض تحقيق الفلسطينيين لكافة هذه الشروط فيما تستمر هي بانتهاك متطلبات خريطة الطريق والشروط التي تفرضها هذه عليها وأهمها وقف الاستيطان الكامل.

وأيا كانت مصداقية الوعود الأمريكية بالتوصل إلى اتفاق مبادئ وليس بالطبع اتفاق إطار كما أراد الفلسطينيون فإن الإدارة الأمريكية في عامها الأخير وقد بقي لها اقل من عام منشغلة بأولويات أخرى ضاغطة أكثر من الملف الفلسطيني الإسرائيلي، ومن هذه الأولويات تحقيق وضع امني مقبول في العراق يكون بمثابة انجاز للإدارة الأمريكية والتعامل بفعالية ونجاح ولو نسبي في احتواء الحريق الأفغاني المشتعل بقوة من جديد وإقفال الملف النووي مع كوريا الشمالية والنجاح في توسيع الحلف الأطلسي مع امتصاص رد الفعل الروسي على ذلك، كلها عناصر ضاغطة بشكل أكبر على الصعيدين الإستراتيجي والأمني على واشنطن من العنصر الفلسطيني الإسرائيلي.

ولا بد من التذكير أن هذا العنصر الأخير لا يشكل ضغطا داخليا أميركيا على الإدارة لاتخاذ موقف أكثر توازناً أو أقل انحيازا وللقيام بدور أكثر انخراطا على الصعيد الرئاسي في دفع المفاوضات إلى الأمام باعتبار أنه من الصعب خاصة في اللحظات الانتخابية الرئاسية وجود انتقاد فاعل وقادر للسياسة الإسرائيلية للإدارة الأميركية. أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقا إلى أن التعامل مع هذا الملف ضمن المواجهة الإستراتيجية مع إيران في المنطقة يزيد من قوة عناصر التعطيل وهي كثيرة أساساً.

بقي أن العرب قد «هددوا» بإعادة النظر ليس في مبادرة السلام بل في الإستراتيجية الواجب اتباعها في ترجمة هذه المبادرة علما وتوخيا للدقة انه لم تكن هنالك إستراتيجية سياسية عملية عربية لوضع هذه المبادرة موضع التنفيذ منذ قمة بيروت عام 2002، وكل ما في الأمر انه كانت هنالك دعوات لاعتماد هذه المبادرة. ولم تكن هنالك أبدا عملية توظيف لإمكانات عربية جماعية في الحد الأدنى الممكن للإمكانات وبلورة التفاهم في مسألة تخص مصالح الجميع ولو بدرجات مختلفة لدفع هذه المبادرة إلى حيز التنفيذ.

فالخيار أمام العرب ليس بين الذهاب إلى الحرب كما يتصور البعض أو انتظار السلام حاملين عنوان المبادرة ومتحصنين بها، سلام، لن يأتي طالما أن التوازنات القائمة لا تفرضه ولا تستدعيه. فالمطلوب، دون أن يعني ذلك انه يدخل في الممكن الراهن، يبقى دبلوماسية عربية ناشطة وضاغطة للخروج من هذا النفق الذي يزداد ظلمة فيما يزداد الوضع سوءاً وتكلفة للجميع.

كاتب لبناني