سألني أحد المذيعين في قناة فضائية: هل كانت القمة العربية الأخيرة ناجحة؟ فقلت له مبتسما: «هي مجرد قمة، ليست ناجحة ولا فاشلة إنما هي قمة عربية». وخرجت من الأستوديو لأمعن التفكير في هذه الإجابة السريعة المرتجلة، التي جرت على لساني من عفو الخاطر، وأقلبها على وجوهها لأتبين موضع الزلل فيها، وما إذا كانت نوعا من التجني أو التسرع، أم أن فيها من الصواب ما يسمح لي بأن أمررها على هذا النحو، وأعيد ذكرها كلما سألني أحد الصحافيين عن تقييمي للقمة، وربما أستخدمها في القمم المقبلة، دون أي حرج.

فالعرب تمكنوا باقتدار من أن يتبعوا المنطق الذي يقول: «سكن تسلم» فيقومون داخل القاعات الفخمة التي تقام بين أروقتها مؤتمرات القمة بتمرير الأمور على نحو سريع، وفي كلمات عاجلة متتابعة، يقدم أغلبها في ثوب بياني بلاغي لافت، وعلى أساس القواسم المشتركة، والأمور الثابتة المتفق عليها، اللهم إلا إن حدثت بعض المناوشات والتي تأتي غالبا من الرئيس الليبي معمر القذافي، الذي بات الصحافيون المتابعون للقمة ينتظرون كلماته ليصنعوا المانشتات المغلفة ببعض ما هو غريب ولافت وظريف أحيانا وطريف.

ولم تكن قمة دمشق الأخيرة استثناء من هذه الحال، فرغم الخلافات التي سبقتها، والتي تواصلت بعدها، فإن مؤتمر القمة جاء عاديا ككل المؤتمرات السابقة، وخذل كل من توقعوا انفجاره من الداخل، وحافظ على الحد الأدنى من التفاهم والتماسك العربي، لاسيما بعد أن تصرفت سوريا بحرص شديد، وراعت أن أي لفظ خارج أو جارح يوجه إلى أي طرف من المختلفين مع دمشق سيتسبب في مضاعفات لا داعي لها، ويحرج القادة العرب الذين لبوا النداء، وذهبوا إلى دمشق ليساعدوا النصاب العربي على التحقق في حده المعقول.

وبدأ السوريون يتعاملون بعقلانية مع الموضوع ، بعيدا عن التصعيد الذي جعل الرئيس بشار الأسد ينزلق ذات يوم ويتحدث عمن وصفهم بـ «أنصاف الرجال»، وسيطر نوع من الواقعية السياسية على أداء دمشق ابتداء من التذكير بأن كل القمم التي انعقدت، منذ اعتماد دبلوماسية القمة الدورية، كانت تشهد غيابا لبعض القادة لظروف عديدة، وأن دمشق لم تدع لهذه القمة إنما استضافتها بحكم الدور الاعتيادي المرسوم وفق الحروف الأبجدية، وانتهاء بقبول دعوة اللبنانيين إلى التوافق حول اختيار رئيس لبلادهم في أسرع وقت ممكن.

وفي ظني فإن هذه العقلانية وتلك الواقعية ستغلف الأداء السياسي السوري طيلة السنة المقبلة، التي يرأس فيها بشار القمة العربية، ومن ثم ستفتح دمشق نوافذ لإعادة الحوار مع كل من مصر والسعودية والأردن، وسيكون الملف اللبناني هو المفتاح الرئيسي لتلك النافذة، لاسيما بعد أن أعلنت دمشق قبيل انعقاد القمة بساعات أن لبنان قد خسر فرصة ذهبية لتجاوز أزمة اختيار رئيسه بتغيبه عن حضور القمة.

وقد بدأت الدبلوماسية السورية فور انتهاء أعمال القمة تسعى في هذا الاتجاه، وهو ما تجلى في الزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى القاهرة في طريق عودته من دمشق، والتي حمل فيها رسالة من الرئيس الأسد إلى الرئيس مبارك، توازت مع تصريح لوزير الخارجية السوري وليد المعلم بأن خلاف بلاده مع مصر «غيمة صيف».

وتدرك دمشق أن اقترابها من إيران لا يعني أبدا التضحية بعلاقاتها مع الدول العربية الشقيقة، وأنها ستخسر الكثير إن عاندت ومضت في طريق الابتعاد عن العرب، مهما كان حجم شعورها أو توهمها بتخليهم عنها أو فتور تعاطيهم مع هواجسها أو تقاعسهم عن إقامة حائط صد عنها في وجه التهديدات الأميركية السافرة لها. وفي الوقت نفسه يعي السوريون أن الخلافات العربية ـ العلاقات البينية تسير من شد إلى جذب، لكن في أحلك الظروف يحافظ الجميع على «شعرة معاوية».

ومن ثم فمن المتوقع أن تكون قمة دمشق بداية لتصفية بعض الخلافات بين سوريا وكل من مصر والسعودية والأردن، وليست نقطة تحول تعمق تلك الخلافات وتصل بها إلى القطيعة والخصام الكامل، كما توقع بعض المتعجلين أو المغرضين. وما يساعد على هذا أن القاهرة والرياض وعمان باتت تدرك أنه لابد من الحوار مع سوريا إن كانت هناك رغبة حقيقية في إنهاء الأزمة اللبنانية، أو تحقيق وفاق حقيقي بين حركتي فتح وحماس.

وعلى التوازي فإن تحفظ العواصم الثلاث على العلاقات السورية ـ الإيرانية، والذي وصل إلى حد اتهام دمشق بالارتماء في أحضان طهران، بدأ يتراجع مع رفض هذه العواصم لقيام الولايات المتحدة الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وامتعاض العرب من فكرة استبدال إيران بإسرائيل، لتحل الأولى محل الثانية في موقع عدو العرب، وإحساس الجميع أن التوصل إلى أي حل في العراق لا يمكن أن يتم بعيدا عن المرور بالبوابة الإيرانية، بعد أن تمكنت طهران من رقبة العراق، إلى الدرجة التي يمكن فيها القول إن كل ما كانت تحلم به طهران قد حققه لها جورج بوش.

لكن مدى حدوث تقدم في العلاقات العربية ـ العربية في الفترة المقبلة من عدمه مرهون في جزء كبير منه على العامل الخارجي، الذي لم يكن بمعزل أبدا عن هذه المسألة، فقبيل القمة طلبت واشنطن عيانا بيانا من بعض القادة العرب عدم حضور القمة عقابا لدمشق، وكرر الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي الطلب نفسه قبل ساعات من انطلاقها، وأثناء انعقادها جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى المنطقة معتقدة أن بإمكانها أن ترتب أوضاعا جديدة على أنقاض القمة، ويتم هذا كله في سياق أوسع، وتحت طائلة استراتيجية أشمل، تقوم على تقسيم العرب إلى «معتدلين» و«متطرفين»، وترمي في النهاية إلى هدم «النظام الإقليمي العربي» وبناء «شرق أوسط جديد» أو «موسع» على حسابه.

وإذا قدرت الأنظمة العربية الحاكمة هذه المسألة الخطيرة حق قدرها، وآمنت بأن الفرقة تفيد أعداء الأمة، وكانت على مستوى المسؤولية فإن قمة دمشق ستكون نقطة انطلاق نحو تضييق الهوة بين العرب المختلفين على القضية اللبنانية وغيرها، والعكس صحيح تماما، وعندها قد يتهاوى مستوى التمثيل في القمة المقبلة إلى حده الأدنى، وقد تنتهي دبلوماسية القمة برمتها، وربما يصبح النظام الإقليمي العربي نفسه أمام علامة استفهام عريضة، اللهم إن تمكنت الشعوب العربية من رقبة القرار، فعندها سيتغير كل شيء إلى الأفضل، لأن القواسم المشتركة بين هذه الشعوب من المحيط إلى الخليج أكبر بكثير من مثيلتها لدى الأنظمة الحاكمة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة