النائب في البرلمان رجل سياسة وسُمي نائباً لأنه يفترض فيه أن يمثل الشعب مقابل السلطة التنفيذية التي هي تمثل الحكومة. وقد يفترض البعض من النائب أن يكون في مواقفه متمايزاً عن موقف الحكومة، إلا أن في البرلمانات التي يسيطر عليها الحزب الحاكم فإن النائب في هذه الحالة يكون ممثلاً للحكومة وإن جاء بأصوات الشعب كما هو الحال في جل البرلمانات العربية.
ثم إن السلطات في المنطقة العربية بشكل عام ترغب في أن يكون البرلمان طيعاً وليس مشاكساً، وقد أدت قوة البرلمان ومشاكسته في الحالة الكويتية إلى حله، هذا الحل الذي تبقى القوة المتاحة في يد رأس الدولة يفعلها عندما لا يرى أن هناك أفقاً للتعاون بين سلطاته التنفيذية والتشريعية. ولم اسمع بمطالبات بحل برلمانات من قبل البرلمانيين أنفسهم إلا في الحالة البحرينية وفق التصريحات المنسوبة للأمين العام لجمعية الأصالة الواجهة السياسية لجماعة السلف البحرينية.
وعود على بدء فالبرلماني سياسي والسياسة تُعرف في بعض مواقعها بأنها فن الممكن، وهي تعني كذلك الغاية تبرر الوسيلة وهو نهج يعرف فنه الكثير من الكتل والجماعات والأحزاب في البرلمان العربية: إسلاموية كما هي العلماناوية. والدخول في البرلمان يفتح على بعضهم أبواب الرزق وينقله من خانة متلقي المساعدات والإعانات إلى خانة المُعطين لها أو على الأقل غير القابلين بها. ولكون البرلماني رجل سياسة فإنه في هذه الحالة يفصح عن ما لا يبطن وإن باطنه شيء غير المعلن منه.
وهو وإن ضحك لك فتأكد إن ضحكته قد لا تكون قادمة من القلب وإن لم يضحك لك فأعلم بأنه لربما يحمل في داخله خلاف التكشيرة أو العبوس الظاهر. وهم في ذلك من الباطنية وليسوا من التقيين، كما أنهم ليسوا من الذين يتبعون قول الحديث الشريف «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» لأن صورهم بابتساماتهم الصفراء والبيضاء و«تكشيراتهم» و«عطساتهم» تملأ الجرائد والمجلات وأجهزة الأعلام المرئية والمسموعة حتى يخيل للبعض منا بأنه سيحلم بهم في منامه إضافة لحضورهم الكثيف وهو في وعيه.
ويتميز بعض من برلمانيي البحرين من كونهم منفتحين على الأعلام والصحافة للدرجة التي تنشر الصحافة قبل المجلس ما يضمروه للحكومة وذلك لغاية في نفس يعقوب، وهم في ذلك قد اقترحوا على الحكومة أن تأسس لهم قناة فضائية تنقل للعالم نقاشاتهم «النيرة». والبرلمانيون رغم حاجتهم لناخبيهم إلا أنهم قد يصدون عنهم في غير وقت الحاجة لهم، بل إن بعضهم بات غير متواصل مع ناخبيه في الفترة الوسطى الواقعة بين دخول المجلس وقبل الخروج منه.
وهم قد يأتون إليك مع اقتراب كل انتخابات برلمانية ويبتعدون عنك بابتعادها الزمني. وبعضهم في ذلك مطمئنون بأن وصولهم لمقعدهم البرلماني الوفير تتداخل فيه آليات عدة وقد لا يمثل صوت الناخب إلا أحدها، وهم في ذلك يتلاعبون بعواطف الناس ومشاعرهم، ولا يكترثون في أن يتواصلوا مع ناخبيهم وأبناء منطقتهم، بل وقد تصل عند البعض في أن يتآمر بعضهم على مجتمعهم من خلال تحقيق مصالح ذاتية أو تنظيمية، ومثل ذلك لا يحدث إلا في بلادنا العربية التي صنفت في كل التقارير الدولية المعنية بالحريات والديمقراطية بكونها دولاً ذات ديمقراطيات معدومة أو ذات ديمقراطيات جزئية يقترب بعضها أكثر إلى نقطة العدم.
ولا يختلف البرلمانيون في بلادنا عن غيرهم في بلاد الله الواسعة، فمنهم الصالح الصادق والتقي الورع ومنهم الطالح الكاذب وإن رفع راية الدين عالياً. ومنهم العفيف ومنهم من يسيل لعابه على حفنة من الدراهم القليلة أو الكثيرة. وبعض هؤلاء كان في بداية حياته فقيراً حافياً «متركرك» وأصبح بفعل مقعده البرلماني الوفير سميناً ملتحفاً بوشاح من الثراء.
وبعد أن كان يقطع «مشاويره» سيراً على الأقدام وفي سيارته «الحترة» أو «السكراب» أصبح الآن من راكبي السيارات الفارهة التي تأتيه في كل دورة أو في كل فصل، أو من مصادر أخرى. وبعضهم بعد أن كان صفري الحساب أو ما دون ذلك أصبحت أرقامه فلكية ومن ملاكي العقار وبائعيه أو شاريه بأرقام لم تكن يحلمون بها.
ويلقب البرلمانيون في المنطقة العربية بألقاب شتى بعضها يبدو واقعياً والآخر قد يحمل قدر من التجني وهي في جلها تعكس الموقف العام من أناس كانوا يوماً جزءاً من المجتمع وترفعوا عليه. فبعض البرلمانيين الفرنسيين يلقبون بنواب الأدوية نسبة لصفقة شركات الأدوية الفرنسية مع بعض البرلمانيين الفرنسيين.
وفي المنطقة العربية فإن بعضهم يلقب بـ «البصيمة» أو نواب «الريموت كنترول» أو «نواب التلفونات» كناية عن الخضوع واللا قوة في مقابل ضغوط السلطة التنفيذية، والآخر منهم يلقب بألقاب تعبر عن توجهاتهم السياسية أو نزعاتهم العصبوية مثل نواب الخدمات أو نواب الحكومة أو نواب المعارضة أو نواب الأخوان(أي ممثلي حركة الأخوان المسلمين) أو السلف أو النواب الشيعة مقابل النواب السنة أو النواب المسيحيين مقابل النواب المسلمين.
والنائب في منطقتنا يكفي حتى يصل إلى مقعده البرلماني أن يكون خطيباً أو متحدثاً في مسجد أو في حسينية أو مقدماً لبرامج إذاعية أو تلفزيونية في الأكل والطبخ وغيرها أو أن يطل علينا كل رمضان محدثاً وفقيهاً وعالماً ولربما خبيراً تغذوياً، أو أن يستثير في العامة نوازعهم ما قبل الحضارية كالقبلية والطائفية والمذهبية.
والنائب عندنا أقرب إلى أن يمثل نفسه أو طائفته أو قبيلته بل أنه في بعض حالاتنا أقرب إلى تمثيل الفصيل الإسلاموي أو السياسي الذي جاءت به كثرة أمواله المحصلة تحت مسميات مختلفة: شرعية ولا شرعية. ويلعب «نواب الشعب» أحياناً أدواراً أساسية في إشعال ما يسمى ب«الحرائق الاجتماعية» بين الجماعات المذهبية والقبلية المختلفة في المجتمع.
وكلما رأيت بعضاً من هؤلاء قادة للأمة والمنتفعين باسمها حزنت لحال امتنا التي أوصلت كل المقتاتين على آلام الأمة ومشاكلها. ويبقى السؤال هو هل من يفتقر للحكمة والمعرفة والإخلاص للوطن بتلاوينه ومسمياته المختلفة يستحق أن يكون ممثلاً لها، بل هل يكون من ضرب الفأس وساهم في إلهاب عوامل التفكك في جسده، قادراً على أن يداوي جراح الوطن الكثيرة، تساؤلات آمل أن يراها الناخب في الكويت قريباً وهو يقترب من صناديق الاقتراع.
كاتب بحريني