مع قضية المضارب الفرنسي (جيروم كيرفيال) الذي كبد بنك (لا سوسياتيه جينرال) خسارة عملاقة بخمسة مليارات يورو في شهر يناير الماضي دخلت الإنسانية عصرا جديدا ومخيفا بدأنا نشهد على نذره ونرى آياته وهو عصر الرجل المفرد المضارب الذي ينقر على جهازه الشخصي للكمبيوتر وفي عقر داره ليتلاعب بالمليارات المودعة (افتراضيا) لديه من قبل البنك تماما كما يلعب المراهق بجهاز (البلاي ستيشن) ويتمكن وحده بدون رقيب من الزج بالمليارات الحقيقية في أتون (افتراضي).
وفي دوامات البورصات العالمية فيربح أو يخسر أو يخرج بلا ربح وبلا خسران ! انه عصر رهيب لأنه يدخل بالإنسانية كلها في منطق لم تعهده ولم تتهيأ له وهو منطق اليانصيب الكوني الذي يضع أقدار الأثرياء ومصائر المؤسسات المالية في كف عفريت وينزلق بالاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية وأحيانا باستقرار الدول والشعوب إلى هوة سحيقة من الريبة والشكوك والضياع.
فكيف وصلت البشرية وهي على أعتاب القرن الحادي والعشرين إلى هذا المنعرج الحاسم الذي يهدد لا فقط مصالح البنوك وأسواق المال بل وأيضاً توازن النظام النقدي الدولي القديم المعروف باسم (بريتن وودس) ومعه يهدد التجارة العالمية وبدون شك السلام الدولي والأمن الهش؟
يرجع المحللون جذور الأزمة الكونية الراهنة إلى أسبابها الأميركية المباشرة والتي بدأت مع تفاقم قضية (السوب برايمس) حين عجزت العائلات في الولايات المتحدة عن تسديد الديون العقارية التي حصلت عليها من المصارف وعجزت هذه المصارف جراء ذلك عن احترام التزاماتها المالية والتجأت إلى الخزينة الفيدرالية لضخ مبالغ مالية من أموال الضرائب لتسديد العجز المصرفي المتفاقم وكانت نتيجة هذه العاصفة المالية إفلاس بعض المصارف وجر مصارف أوروبية ويابانية وآسيوية إلى حالات عجز بالنظر إلى الارتباط الهيكلي بين المؤسسات المالية في الأسواق وتبادل العملات والاشتراك في الاستثمارات وهكذا شهد العالم أزمة عالمية كبرى ذكرت المؤرخين الاقتصاديين بأزمة عام 1929 العملاقة والتي نتجت عنها بصورة مباشرة الحرب العالمية الثانية!
ولعلم القراء الكرام فإن ظاهرة الرجل المنعزل الذي يلعب بالمليارات ليست مفاجأة للخبراء لأنها سبقتها عمليات المضارب الأميركي المجري جورج سوروس الذي أركع الجنيه الإسترليني عام 1992 بمفرده مما أثار زوبعة في أسواق المال العالمية آنذاك ولا بد أيضاً من ذكر ثاني أغنى رجل في العالم بعد (بيل جاتس) وهو الأميركي(وارن بافيت) صاحب مؤسسة مالية نشأت وازدهرت على المضاربات فقط وبلغ رقم معاملاتها 52 مليار دولار هذه السنة.
وتحول هذا الرجل إلى مثل أعلى يحتذى بالنسبة لجيل كامل من المضاربين الشبان الذين شكلوا مع الزمن فصيلة خاصة تسمى (جولدن ترادرس) وبالطبع من بينهم الفرنسي (جيروم كيرفيال) ذائع الصيت والموقوف في باريس حاليا على ذمة القضاء الذي لم يفهم شيئا مما يجري ولا يدرك حتى ما إذا كان المتهم بريئا أو جانيا وهل للرجل شركاء في حال ثبوت التهمة!
وبالفعل أسر لي أحد قضاة التحقيق المكلفين بالملف في باريس بأن قانون الجزاء المالي الفرنسي يعاني من فراغ في هذه الحالات لأنه لم يسبق أن عالجها من قبل وليس لدى القضاة تقاليد قانونية تسمح بإقامة العدل بضمير مطمئن، وفي الواقع كما قال لي الصديق القاضي الفرنسي فانه لأول مرة يجد القضاء نفسه في مواجهة لغز حقيقي يتمثل في وقوف رجل مفرد أمام القاضي متهم بتكبيد بنك وطني خسارة عملاقة تقدر بخمسة مليارات يورو في لحظات دون أن تثبت على الرجل سوء نية أو اختلاس!
وهؤلاء المضاربون الذهبيون كما تقول الخبيرة(كريستين كيردلانت) غيروا مجرى تاريخ المعاملات المالية وأثبتوا للناس الطيبين أن الدول لم تعد تتحكم في مصير الموازين الموضوعة في خزائنها أو المودعة في بنكها المركزي ولا في الحفاظ على الأمن المالي للمساهمين في الشركات الوطنية والخاصة، وأن رجلا واحدا جالسا وراء كمبيوتر شخصي باستطاعته التلاعب بالثروات الطائلة والتسبب في إثراء أو إفلاس ملايين المساهمين الصغار في المصارف والشركات المدرجة في البورصة.
أعترف أنني حين أثير هذه القضية اليوم بأن هاجسي ليس عرض حالة مالية تحدث في الغرب ولكن لتحسيس الكوادر العربية والخليجية خصوصا بأهمية التعرف على التحولات العميقة التي طرأت على عالم المال والأعمال ومدى التفاعل الجدلي اليومي بين أسواق المال في الغرب ولدينا نحن العرب.
ولعل أغلب المتعاملين مع هذه الأسواق يدركون بأن المعاملات المالية لا يمكن أن تكون إقليمية محضة ولا بالطبع وطنية محضة بل هي عابرة للقارات بشكل يحمل السلبيات والايجابيات ولهذه الأسباب فكرت الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس في تنظيم دورة تدريبية في أبريل القادم لاطلاع كوادرنا الخليجية على تفكيك الآلية العالمية والفرز بين العوامل الحقيقية الموضوعية والعوامل النفسية الوهمية للأزمة الراهنة أو الأزمات المحتملة المقبلة.
رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس