كم من إيحاءات التبسيط والبداهة في المثل القديم: الكثرة تغلب الشجاعة؟ أم أن قائله كان عميقاً وبعيد الرؤية وكأنه يبصر المعاني المواكبة لعصرها تتوالد منه مع تحوير في صياغته لا يخدش حياء المعنى ليصبح على شاكلة: الغالبية هي الأرجح، أو الغالبية هي الأكثر أهمية نسبياً؛ وكما ترجح أصوات غالبية الناخبين كفة من يقبض على صولجان السلطة.
كذلك في حقل الموارد البشرية يستنبت المخططون والخبراء توازناً نوعياً في مهارات القوى العاملة ومجموعات العمل وقدراتها وكفاءاتها بحيث تتضافر جميعها من أجل تقديم الخدمة أو إنتاج السلعة، ولضمان الحصول على الجودة في أعلى مستويات الكمال، وقد وجدوا أن الطبيب الاستشاري على سبيل المثال يحتاج حتى يتمكن من أداء مهمته بنجاح إلى ما يقرب من اثني عشر مساعداً في تخصصات فنية ومهنية وإدارية مختلفة، وأن المهندس المعماري يحتاج إلى حوالي سبعة مساعدين، وبهذا التفوق العددي الكاسح يصبح المساعدون أكثر أهمية من الناحية النسبية.
ولو أن مخططي الموارد البشرية والمؤسسات التعليمية قصَروا اهتمامهم على بناء كوادر الأطباء والمهندسين ومن في مستواهم وأهملوا أولئك المساعدين لحدث أحد أمرين، فإما أن تتفاقم معدلات البطالة في صفوف الأطباء والمهندسين فلا يجد إلا طبيب واحد من بين اثني عشر طبيباً وظيفة يقتات منها، وإما أن يتنازل اثنا عشر طبيباً من أصل ثلاثة عشر باختيارهم من درجة طبيب إلى درجة مساعد من أجل لقمة العيش، ومن أجل أن يجد المجتمع من يزوده بالخدمات الطبية المتكاملة، وهكذا هو الحال في سائر مجالات الحياة كالإدارة والعسكرية والنشاط الإنتاجي والعمل المجتمعي.
بالإضافة إلى الأهمية النسبية، فإن لعب دور المساعد أو التابع هي مهارة أو مقدرة لا تقل خطورة عن لعب دور القيادي، بل إن القيادي الناجح هو ذلك الذي كان ذات يوم مساعداً متميزاً، أما إن لم يذق طعم احترام الأوامر التي تتساقط من فوقه، ولم يمتلك ميزاناً شديد الموضوعية والعدالة يجيد به انتقاء المساعدين المناسبين والقادرين على معاونته في تحقيق رؤيته، ويقيّم به جهودهم ومهاراتهم، ويحرك به مشاعر الجاهزية والاستماتة من أجل الهدف، فسيبقى قيادياً ولكن في التقهقر إلى أقصى نهايات الفشل، أو يصبح كالنسر الذي يقبع وحيداً على القمم ولا يرى فيما يتحرك تحته إلا على أنه فريسة.
جاء في الحديث الشريف أن رجلاً طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوليه الإمارة، فقال له: «إنا والله لا نولّي هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه»؛ وهذا الوضوح الصارم في الموقف، يفجّر من هذه الكلمات القلائل كمّاً متدفقاً من الأصول والمبادئ الاستراتيجية التي تصوغ منهجيات العمل الجماعي، منها:
ـ أن الأصل في العمل الجماعي أن يبذل العامل طاقته في التطوير الذاتي واكتساب المعرفة المهنية وبناء الشخصية، ولكنه يتجنب وضع سقف لطموحاته الشخصية لا العالية منها ولا المنخفضة، فهذه تبقى مهمة القيادة العليا التي يفترض أنها تتحلى بالنزاهة والموضوعية الكافية لقياس الكفاءة ووضع الناس في أماكنهم الصحيحة، ولاحظ استخدام الضمير العائد إلى القيادة مقروناً بهذا التأكيد المضاعف بالقَسَم والمستدرك بالنفي: «إنا والله لا نولّي».
ـ ان الاعتقاد الشخصي بامتلاك المواهب القيادية ودفع هذا الاعتقاد بمحركات «الحرص» على الوصول إلى المناصب القيادية والانشغال باللهاث خلف هذا الطموح هو شعور مخادع في أغلب الأحيان، وأولئك المساعدون الذين يطلقون العنان لطموحاتهم الجامحة يجدون أنفسهم مجبرين على التخلي عن المبدأ أو الاستهانة باقتناء المعرفة أو التملص من بذل أقل الجهد لبناء الشخصية، وربما تجاوز الأمر ذلك إلى السقوط في مستنقع التملق وخيانة الأمانة والرشوة وتصيد الفرص وارتكاب كل موبقات الفساد الإداري أثناء محاولة تسلق منحدرات ذلك الطموح.
ـ ان العمل ساحة للمنجزات والإنتاجية العالية، وهذا يتطلب أداء الواجب الوظيفي بالإخلاص والتفاني في العمل واقتفاء أثر القيادة بالطاعة واحترام النظم والسياسات وعلاقات العمل، ومحاولة التفوق من خلال تفجير طاقات الإبداع والابتكار والتميز، أما التقدير والتقييم والمكافأة وإعادة توزيع الأدوار فلا يكون بتسوّل المناصب واستجدائها بل يبقى أمره متروكاً للقيادة، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم «لا نولّي» أي أن القيادة وحدها التي بيدها سلطة نقل العامل من صفوف الجندية إلى صف القيادة.
ـ ان ثقافة المساعدة أو التبعية يجب أن تكون واضحة في المؤسسة، لأن نقص الدراية والإلمام بلعب دور المساعد أو التابع هو أحد أسرار انهيار المنظومات والأجهزة الإدارية، وهو الذي يعمي العامل عن رؤية الخط الرفيع الذي يفصل بين الطاعة كجزء من المسؤولية الوظيفية اللازمة للوصول إلى الأهداف، وبين الطاعة كرشوة تقدم للرؤساء من أجل التسلق أو القفز فوق الحواجز للوصول إلى الطموح غير المستحق بشتى الوسائل، ومن هنا ألحق الرسول صلى الله عليه وسلم رفضه القاطع بتبرير الرفض.
ـ ان تهيئة القيادات المستقبلية ينبثق أساساً من تهيئة المساعدين أو الأتباع المخلصين للمبادئ وللقيم العليا والذين ينجحون في أداء الأدوار المطلوبة منهم كمساعدين ببراعة عالية، وهنا يكمن سر المفارقة بين ارتقاء سلم السلطة في المجتمعات المتقدمة حيث الكفاءة والعطاء هي معيار التقييم، وبين المجتمعات المتخلفة حيث الانتهازية والمحسوبية هي معيار التقييم.
ـ ان على القيادة أن تبقى حازمة ومتيقظة لهؤلاء المساعدين الذين يحاولون التسلل إلى الصفوف الأولى باختصار المراحل واستخدام الأساليب والطرق الملتوية وغير النظيفة، وحرمان المجتمع من وصول العناصر الكفؤة والمعطاءة والمبدعة، ولهذا قطع الرسول صلى الله عليه وسلم الطريق على الرجل نهائياً ولم يمنحه فرصة ثانية.
على امتداد رقعة التاريخ البشري، لم يكن القادة العظماء قادة وهم لايزالون في أقمطتهم، ولم تكن القيادة في يوم من الأيام ملعقة من ذهب لا تذهب إلا لأفواه فئة من الناس، بل إن الأنبياء وهم النخبة المختارة من قبل الذات العليّة وأعظم القادة على الإطلاق، كان إعدادهم طويلاً وشاقاً ومنهجياً، فكانوا يخرجون بالرسالة من تحت رماد المعاناة أو من بين أنقاض البؤس واليأس، وبعدما نجحوا في أداء أدوارهم كأتباع ومساعدين، كما كان داود عليه السلام جندياً في جيش طالوت، وكما قال الله سبحانه لموسى عليه السلام بعدما أنهى مهمته بعد عشر سنوات مساعداً لشعيب عليه السلام: «واصطنعتك لنفسي» (الآية 41، سورة طه).
إن نجاح مشروع صناعة المساعدين يعتمد على توشيج علاقة التبعية بين المتبوع والتابع، وهذه العلاقة تتطلب من جانب القيادة زرع الثقة في نفوس المساعدين، ونجاح هذه الزراعة يعتمد على الإفصاح عن تفاصيل رؤية القيادة وجعل الأهداف الاستراتيجية حُلماً من أحلام المساعدين، وتسليمهم مقاليد المسؤولية، ومشاورتهم عند اتخاذ القرارات الحاسمة والاستراتيجية، ومحاسبتهم عند الانحراف عن المسار؛ كما تتطلب من جانب الأتباع احتمال أمانة المهمة، وهذا يستدعي الصدق والشجاعة في إبداء الرأي المهني (النصيحة)، وبذل التضحيات عند مواجهة المآزق، والطاعة التي لا تؤدي إلى الانزلاق عن المنهج أو عن المسار المحدد لبلوغ الأهداف والغايات وتحقيق المكاسب.
في قصة تنحية خالد بن الوليد أعظم قائد عسكري عرفه التاريخ عن قيادة جيش المسلمين، والحرب لم ينقشع غبارها بعد، وتولية القيادة لأبي عبيدة بن الجراح، نجد ملامح التطبيق العملي والمثالي للانتقال بين مستويات المسؤولية، حيث السلاسة المذهلة التي رافقت مراسم تبادل الأدوار.
وحيث جوّ المحبة والتقدير بين القائد الجديد الذي تسلم المسؤولية وعيناه تغرورقان بالدموع وهو يرى قائده الأجدر منه بالقيادة يتراجع بنفس مطمئنة إلى الصفوف الخلفية، ليعيد ترتيب استعداداته النفسية والوظيفية التي تتطلبها واجباته الجديدة، وحيث الالتزام بالطاعة لقرارات الإدارة العليا والثقة في حكمتها رغم بعدها آلاف الأميال عن دائرة الأحداث؛ إنه تطبيق في القرن السابع بكامل مواصفات الألفية الثالثة وربما ما وراءها.
كاتب إماراتي