ما يجري في تركيا اليوم يضع استقرارها السياسي في الميزان بعد قبول المحكمة الدستورية النظر بالدعوى ضد ما أقره البرلمان التركي من تعديل على بعض المواد بما يسمح ـ ولا يجبر ـ بحرية ارتداء «الإيشارب» كغطاء للرأس لطالبات الجامعة لمنع المنع المفروض تعسفا بالدستور السابق، لا يمثل سابقة تركية بل سابقة عالمية، وبقدر ما يثير السخرية لدى الغالبية في الدول الديمقراطية بقدر ما يثير الغضب لدى الغالبية الشعبية التركية المسلمة، والتعامل بالجدية في مواجهة دعوى الأحزاب العلمانية والقومية الهادفة إلى حظر حزب العدالة والتنمية.
إن هذا يسيء لمكانة تركيا كدولة حديثة قبل الإساءة إلى تجربتها الديمقراطية بعد ديكتاتورية العسكر حراس العلمانية اللا دينية، ويضع إرادة الشعب التركي لا حزب العدالة والتنمية الحائز على ثقة الشعب التركي لدورتين متتاليتين في انتخابات ديمقراطية في قفص الاتهام، ويضع العلمانية الأتاتوركية اللا ديمقراطية في الميزان بعد هذه المهزلة التي تقوض الديمقراطية باسم الدستورية والتي بدت من قبل بطلب المدعى العام بتحويل «إرادة غالبية الشعب التركي» إلى المحكمة الدستورية بتهمة ممارسة حرية العقيدة وحرية التعبير وحرية الاختيار السياسي!
ولمعاقبة الشعب والحزب المعبر عنه على ممارسة إراداتهم الوطنية وفقا لدستور الجمهورية التركية من خلال ممثليهم في البرلمان في سن القوانين التي تستجيب للإرادة الشعبية الحقيقية، لا لإرادة الحرس القديم للاتاتوركية التي مازالت تُحكم من قبر أتاتورك الذي فرض الدستور والقوانين العلمانية وألغى القوانين النابعة من الشريعة الإسلامية وأبدل اللغة التركية بحروف لاتينية لا عربية بالدكتاتورية وليس بالديمقراطية وحاول إلحاق تركيا بالغرب الأوروبي لكن أتباعه هم الذين يمنعون تركيا اليوم من القبول وكسب احترام الغرب الأوروبي!
وسبق وتساءلنا، لمن المشروعية الشعبية والدستورية، ومن يحاكم من في النظام الديمقراطي؟ .. هل هي السلطة التشريعية أم التنفيذية أم القضائية أم هي الإرادة الشعبية باعتبارها مصدر مشروعية السلطات الثلاث؟
ونتساءل اليوم أيضا..هل يستقيم منطقيا أو يجوز دستوريا أن تخضع السلطة التشريعية التي تمثل الشعب للسلطة القضائية؟.. وهل يعقل قبول محاكمتها إذا عبرت عن إرادة غالبية الشعب في تعديل الدستور بالآليات الدستورية السليمة للسلطة القضائية، بينما في صدر كل الدساتير الديمقراطية أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن نواب الشعب غير المشكوك في سلامة انتخابهم هم المعبرون عنه، وأن الذي يعين القضاة هو رئيس البلاد الذي يختاره الشعب لا العسكر؟!
وهل يمكن أن تخضع السلطة الشعبية للسلطة التنفيذية بينما الشعب هو الذي يختار الحزب الذي يحكمه فيما رئيس الحكومة ووزرائها منفذون لما يقره نواب الشعب، ومسؤولون أمام هؤلاء النواب في البرلمان؟! .. أليس المفترض أن الشعب هو صاحب الحق الأصيل من خلال الانتخابات البرلمانية في اختيار نوابه البرلمانيين الذين تتلخص مهمتهم في تشريع إرادته وصياغتها في قوانين تلتزم السلطة القضائية بتطبيقها؟
.. وأليس الشعب هو صاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه على جميع المستويات وفقا للدستور الذي يجب أن يضعه الشعب بإرادة حقيقية وليست شكلية، وليس الذي يفرضه الفرد أو الحزب على نواب الشعب، ومن خلال مؤسسة مدنية، وليست عسكرية انقلابية على الديمقراطية؟!
في النهاية فإن المشروعية في الديمقراطية الطبيعية سواء في وضع الدستور أو تغييره أو تعديله هي للإرادة الشعبية العامة التي عبرت عن نفسها في انتخابات ديمقراطية صحيحة واختارت حكامها كسلطة تنفيذية لها الحق في اقتراح القوانين، مثلما اختارت نوابها حراسا لإرادتها في البرلمان كسلطة تشريعية لها الحق في تعديل مواد الدستور وسن وإلغاء القوانين.
فمن يحاكم من؟.. وهل يتوقع هؤلاء المعادون للإرادة الشعبية والمعبرون فقط عن الإرادة الفردية الأتاتوركية بأن يظل الشعب التركي بغالبيته التي اختارت حزب العدالة والتنمية يتفرج على هذه المسرحية الهزلية دون حراك ليحمي إرادته، إذا غابت الشرعية الديمقراطية باسم الدستورية العلمانية، وتغلبت الحماقة العسكرية على الحكمة السياسية؟!