اللعبة وتفاصيلها أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. هكذا يقول خبير الخرائط الفلسطيني خليل التفكجي عن المخطط الاستيطاني الإسرائيلي واسع المدى الذي يجعل عملياً قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومتماسكة جغرافياً ضرباً من المستحيل. ومن أجل استكمال تطبيق المخطط على الأرض لم تعد أمام إسرائيل صعوبة سوى الحصول على فسحة زمنية كافية.

المخطط الجاري تنفيذه فعلاً يقضي بتقسيم أرض الضفة الغربية إلى عدد من كانتونات متناثرة هنا وهناك دون تواصل جغرافي، هذه الكانتونات المتناثرة هي «الدولة الفلسطينية» المستقبلية. أما بقية الأرض فهي التي أقيمت وتقام عليها مستوطنات يهودية يجري العمل حالياً لربطها جغرافياً ببعضها البعض ولاستكمال عزل الكانتونات عن بعضها البعض يجري بناء شبكة عملاقة من الطرق البرية الالتفافية والأنفاق، ولا ينبغي إذن سوى عزل الكانتونات الفلسطينية عن العالم الخارجي. والمخطط الذي يجري تطبيقه يتكفل بذلك.

فمن الناحية الشرقية يجري إعداد شريط واسع من الأراضي في غور الأردن للإحاطة جغرافياً بالكانتونات، ويفيدنا الخبير التفكجي أنه بات محظوراً على أي فلسطيني الإقامة في هذا الشريط الأرضي، ووفقاً لهذا التخطيط فان بوسعنا أن نتصور أنه سوف تقام بطول الشريط نقاط تفتيش وحواجز متعددة لمنع أهل الكانتونات من التواصل مع العالم عبر الأراضي الأردنية.

أما من الناحية الغربية لأرض الضفة فانه يجري بناء الجدار الفاصل، وينبغي طرح أكثر من تساؤل: ما قيمة المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية؟ وما هو المسار الذي تتخذه؟ وما هو الهدف النهائي المرسوم لكي تبلغ العملية التفاوضية منتهاها؟، وما هو الهدف من الزيارات المتتالية المنتظمة لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس؟

إسرائيل بحاجة ماسة إلى التفاوض مع الفلسطينيين لكن ليس من أجل التوصل إلى هدف قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتماسكة تعيش في حالة سلم دائم جنباً إلى جنب مع الدولة اليهودية، وتحتاج إسرائيل إلى العملية التفاوضية واستمرارها لغرضين أحدهما ثانوي والثاني جوهري وأساسي.

الهدف الأول ذو طبيعة دعائية. فإسرائيل تريد أن ينظر إليها عالمياً بأنها دولة لا ترفض النهج السلمي التفاوضي، أما الهدف الثاني فانه يدخل في باب لعبة شراء الوقت حتى تتمكن الدولة اليهودية من استكمال الكانتونات ومنشآت عزلها. لا نعرف على وجه الدقة موعد استكمال تنفيذ المخطط لكننا ندرك من الشواهد المرئية أنه سوف يأتي يوم تقول فيه القيادة الإسرائيلية لقيادة السلطة الفلسطينية: انتهى الوقت.. ولم يعد يوجد من أرض يمكن عملياً استمرار التفاوض عليها.

لعبة شراء الوقت تشارك فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة. هذا بالضبط هو مغزى زيارات رايس المنتظمة. فالدور المرسوم للوزيرة الأميركية هو الإبقاء على وهم المفاوضات كلما بدا أنها تعثرت بهدف تزويد القيادة الإسرائيلية بالمزيد تلو المزيد من الوقت لتواصل استكمال تنفيذ مخططها دون إزعاج.

باستمرار انخراطها في العملية التفاوضية الوهمية تعتبر قيادة السلطة الفلسطينية شريكاً ثالثاً في لعبة شراء الوقت. وما إذا كانت هذه المشاركة ناشئة عن سوء تقدير أو غير ذلك فان عبء الإثبات يقع على عاتق هذه القيادة.