انتهت قبل أيام القمة العربية العادية التي انعقدت بدمشق العاصمة الأقدم في التاريخ التي أجمع العديد من المراقبين العرب وغير العرب على نجاحها، بدءاً من جدول أعمالها وكلمة الرئيس السوري بشار الأسد الذي ترأسها وصولاً إلى البيان الختامي الذي جدد التمسك بحل القضايا العربية المصيرية كافة، مؤكدين أن نتائج القمة بينت أن الرهان على الخلافات بين العرب لا يمكن بأي حال أن يخدم مصالحهم الوطنية والقومية.
بالمقابل أعلن العديد من المراقبين العرب وغير العرب عن فشل القمة العربية، إما بسبب تدني مستوى التمثيل السياسي لبعض الدول العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية ومصر أو بسبب غياب طرف عربي وحيد عن القمة، وهو لبنان الذي قرر رئيس وزرائه فؤاد السنيورة الغياب لعدم وجود رئيس منتخب للجمهورية اللبنانية.
إن التحليل السياسي الموضوعي لنتائج قمة دمشق تتطلب التعاطي الموضوعي مع وجهتي النظر المختلفة تجاه القمة، مع الآخذ بعين الاعتبار أن القمم العربية عادة تعقد لاتخاذ القرارات العامة وتحديد المواقف السياسية للمرحلة القادمة، وأن الدولة التي تترأس القمة تلعب دوراً محورياً إلى جانب الأمانة العامة للجامعة العربية خلال عام كامل في الإشراف على تنفيذ قرارات القمة.
كما أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار السياق الإقليمي والدولي قبيل وأثناء وبعد القمة والذي يؤثر سلباً أو إيجاباً على مستوى تمثيل الدول وحضورها أو غيابها وعلى القرارات السياسية تحديداً وأخيراً على تنفيذ التوصيات والقرارات بعد انتهاء القمة وحتى موعد انعقاد القمة القادمة.
فقمة دمشق انعقدت في ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد سواء في سياقها الإقليمي أو الدولي من جهة أو بالنسبة للضغوطات الكبيرة التي تواجهها سوريا تحديداً من قبل الإدارة الأميركية من جهة أخرى. إقليمياً، شهدت المنطقة منذ عام 2001 وحتى انعقاد القمة عام 2008 ثلاثة حروب أميركية بامتياز هي الحرب على الإرهاب في أفغانستان ومناطق أخرى وحرب احتلال العراق وحرب يوليو التي شنتها إسرائيل ضد لبنان بالوكالة عن الإدارة الأميركية. أضف إلى ذلك أن الإدارة الأميركية بدأت حملة سياسية متعاظمة ضد المشروع النووي الإيراني الذي تقول إيران إنه مشروع سلمي وليس للأغراض العسكرية.
كما أن الأوضاع الإنسانية والسياسية في فلسطين تدهورت بشكل كبير بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة والتبشير بمحرقة إسرائيلية للفلسطينيين في قطاع غزة، و تجسد الخطر الحقيقي على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة عندما اختلفت الفصائل الفلسطينية بين بعضها البعض وتحديداً بين حركتي فتح وحماس وانفصلت الضفة الغربية عن قطاع غزة ليس فقط جغرافياً وهذا أمر مفهوم، ولكن سياسياً وإدارياً وفصائلياً.
ولا تزال المنطقة تعيش التداعيات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية الخطيرة لهذه الحروب ولا يعرف أحد بتمام الدقة متى تنتهي هذه التداعيات لاسيما وأن أفغانستان والعراق لا يزالان تحت الاحتلال الأميركي، ولبنان يعاني خلافات سياسية حادة بين الأفرقاء الأساسيين منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير عام 2005.
ومن أهم هذه التداعيات أن المنطقة العربية تأثرت بهذه الملفات الساخنة وخاصة في المشرق العربي وانقسمت المواقف السياسية وتباعدت، وتضاربت الأولويات واختلطت، ولم يعد مدركاً أياً من هذه الملفات تحتل المركزية التي كانت القضية الفلسطينية سابقاً تحتكرها.
هل العراق الجريح والمقسم عمودياً وأفقياً يستحق الاهتمام الأكبر، أم أن لبنان الضعيف والمهدد من الداخل والخارج هو الذي يستحق الاهتمام الأكبر، أم أن فلسطين التي لم يبق منها إلا ما تيسر من ترابها العربي - الإسلامي ومقدساتها المهددة بالانقراض وشعبها اللاجئ في الداخل والمنافي هي التي تستحق أن تبقى القضية المركزية بالرغم من فشل سياسي متواصل على مدى ستين عاماً.
والبعض في العالم العربي يقول إن الخطر الحقيقي الذي يهدد المصالح العربية واستقرار المنطقة يكمن في «الغزو الإيراني أو الفارسي» في العراق ولبنان، وأن السعي الإيراني لامتلاك برنامج نووي مستمر سيشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار منطقة الخليج. هذا الملف في العلاقات العربية ـ الإيرانية تحول عند البعض إلى أولوية تفوق بأهميتها جميع الملفات الأخرى، الأمر الذي يساهم سلباً في تدهور العلاقات العربية ـ العربية.
أما فيما يتعلق بالسياق الدولي الذي تشكل منذ عام 1991 عندما انهارت الكتلة الشرقية وسقط الاتحاد السوفييتي اندثر النظام الثنائي القطبية وبرزت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة كونياً لتعلن نظاماً قطبياً أحادياً تقوده واشنطن منفردة.
ولكن مدعومة من حلفائها في كل مكان، كل ذلك بالتزامن مع ولادة ما يعرف «بالعولمة الاقتصادية والثقافية» لتدعم السيطرة والهيمنة الأميركية على العالم، هذا النظام الجديد من العلاقات الدولية الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وعلى أدواته بدءاً من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مروراً بمجلس الأمن الدولي ولا ينتهي طبعاً بحلف الناتو العسكري، هو ذاته النظام الذي لا يزال سارياً وفاعلاً حتى وقتنا الحالي، ويؤثر على مجمل السياسات العربية والإقليمية.
إذاً هذه هي الأجواء السائدة قبل وأثناء وبعد انعقاد القمة العربية، وهذا يعكس صعوبة وتعقيد الملفات التي تم التعاطي معها في اجتماعات القادة العرب في قمة دمشق، كما يعكس حقيقة سياسية مفادها أن القمة لن تكون قادرة على حل هذه الملفات الثقيلة في وزنها السياسي وتداعياتها الاستراتيجية على دول المنطقة وقضاياها المصيرية، على الأقل في المديين القصير والوسط.
ومع ذلك وبالرغم من وجود بيئة إقليمية ودولية غير صحية ومشاكسة لأية قمة عربية تعقد في أي بلد عربي، فإن قمة دمشق التي لم يتغيب عنها إلا لبنان وخرجت ببند مهم وحيوي للمصالح العربية والعلاقات العربية - العربية والعلاقات العربية ـ الإقليمية وهو البند الذي تطرق إلى تصحيح العلاقات العربية - العربية وإعادتها إلى مسارها السليم.
لقد أكد الرئيس الأسد في خطابه أن المنطقة العربية لم تعد على حافة الخطر بل أصبحت في قلب الخطر، مشيراً إلى واقعية تعدد الرؤى والأفكار في الأسرة العربية الواحدة، وأنه لا بديل عن التضامن والتكاتف والتشاور والتعاون. ولم يتجاهل الرئيس الأسد قضايا الاختلافات والتغايرات في المقاربات وأساليب المعالجة بين بلد عربي وآخر، الأمر الذي يتطلب التضامن والتنسيق في القضايا المحورية وإلى حوار أخوي منفتح وصريح.
إن نجاح وفشل القمة تحددها النتائج العملية ذات الصلة بتحسين وتطوير العلاقات العربية - العربية التي إذا تجسدت انعكست إيجابياتها على كافة الملفات والقضايا العربية الساخنة وعلى العلاقات العربية - الإقليمية وتحديداً العلاقات مع إيران وتركيا وهما دولتان جارتان حيويتان وهامتان للفضاء العربي والإسلامي.
وتحديداً فإن العمل على تحسين العلاقات السورية - السعودية والعلاقات السورية - المصرية هو عمل حتمي ولا يمكن تجاهله لما لهذه العلاقات من تأثير على المسار السياسي والاستراتيجي والأمني والاقتصادي في المنطقة العربية وإقليمياً، لأن هذه الدول كانت وستبقى محورية ومؤثرة على جميع القضايا المركزية التي ذكرت آنفاً.
وبناء عليه فإن المعيار الواقعي والموضوعي لوصف القمة بأنها ناجحة أو فاشلة سيعتمد على مدى النجاح الذي سيتحقق في رأب الصدع بين الدول العربية وخاصة المؤثرة منها في الفترة القادمة، وأن استمرار العلاقات العربية بوضعها الراهن يعني مزيداً من التدهور السياسي والأمني في المنطقة العربية.
كاتب وباحث سياسي