انقطع مرة أخرى حبل الحياة النيابية في الكويت، لتعود حليمة لعادتها القديمة، وأمرت الحكومة أن تقوم بتصريف العاجل من الأمور ريثما يتم انتخاب مجلس أمة جديد.
وواقعة توقف الحياة النيابية ليست بجديدة على المشهد السياسي في الكويت، بل ربما أضحت تشكل جزءاً لا يتجزأ منه، تشبه في ذلك تقلب الحياة السياسية في إيطاليا في ستينات وسبعينات القرن الماضي. فهذا الحل هو الثالث دستورياً بعد حل المجلس في عامي 1999 والعام 2006، وقبلها حُل المجلس بمرسوم أميري مرتين الأول كان في العام 1976 والثاني بعد عقد من ذلك التاريخ، أي في العام 1986.
رافق تقلب الحياة النيابية أيضاً تقلب آخر وهو على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لسير الحياة الديمقراطية وهو تغير توزيع الدوائر الانتخابية، والمتابع لتجربة الديمقراطيات العريقة يلحظ أن مسألة الدوائر كانت وما زالت تقع في لب العملية السياسية لأنها تحدد من يمثل الأمة.
وهكذا كان الأمر في الكويت، إذ ابتدأت بعشر دوائر، ثم جاءت الثورة الإيرانية في العام 1979 ليرافقها صدى داخلي تمثل في التأجج الطائفي الأمر الذي اقتضى التحكم بنتائج العملية الانتخابية فيما يخص التمثيل الطائفي الذي وصل في آخر انتخابات (1975) إلى ذروته، فكانت الدوائر الخمس والعشرون. ومع كثرة الدوائر قل عدد الناخبين في الدائرة الواحدة، ليصل تعداد البعض منها إلى ثلاثة آلاف ناخب فحسب!!
وقد وَرّث صغر الدوائر أمراضاً من قبيل شراء الأصوات وزيادة الخدمات الشخصية التي يقدمها النائب للناخب فضلاً عن سهولة التحكم في نتائج الدائرة بواسطة العائلات المتنفذة فيها أو من خلال الانتخابات الفرعية، التي أخذت تجريها كل القبائل تقريباً.
ونتيجة لتحرك شعبي واسع رفع شعار «نبيها خمس» نجح مجلس الأمة في تعديل توزيع الدوائر ليقلصها في العام 2006 لتصبح خمساً، ولتدخل العملية الانتخابية في الكويت في مسار جديد وهو التكتلات الكبيرة.
وتلك العملية الديمقراطية ابتدأت بالرجل ـ شأنها في ذلك شأن مثيلاتها في الدول التي سبقتها إلى ذلك ـ لتتطور بعد أربعة عقود ونيف إلى أن تضم إليها المرأة وستكون انتخابات مجلس الأمة للعام 2008 أول انتخابات للمجلس تشارك فيها المرأة الكويتية كناخبة ومرشحة. ومع تقلص الدوائر ودخول المرأة تضاعف عدد الناخبين بالمطلق وازداد في كل دائرة بشكل ملحوظ ليتراوح في معدله بين الخمسين ألفاً إلى السبعين ألفاً في آخر انتخابات أجريت في البلاد.
وهذه ليست جملة التطورات التي حدثت في العملية الانتخابية طوال سني حياتها، بل إن تلك العملية قد دشنت بحق الرجل الكويتي بصفة أصلية لممارسة حقوقه السياسية، ثم لحقهم المتجنسون الذين أمضوا عشرين عاماً على تجنسهم لكي يحق لهم التصويت دون الترشيح. وهذا ينطبق على أبناء المتجنسين القصر والراشدين وقت تجنس آبائهم، أما أبناؤهم الذين ولدوا بعد اكتسابهم الجنسية فقد أصبحوا مواطنين بصفة أصلية لهم كامل الحق السياسي. والمتجنسون وأبناؤهم يمثلون ثلث الشعب الكويتي.
أما الظاهرة اللافتة بحق والمستجدة في آن معاً في الانتخابات الجارية هذه الأيام فهي عزم الدولة على محاربة الانتخابات الفرعية، التي استشرت في السنوات الأخيرة والتي أدت إلى تشويه التمثيل الشعبي باستبعاد تمثيل عدد كبير من المواطنين من أبناء القبائل القليلة العدد أو من الحضر الذين يصوتون في دوائر تمثل احتكاراً لكتلة قبلية ذات ثقل في المنطقة.
وقد أدى هذا الوضع إلى جانب سوء التمثيل الشعبي لمكونات أبناء الدائرة وبالتالي تشويهاً للتمثيل الشعبي على نطاق الدولة ككل، أدى ذلك أيضاً إلى هجرة الناخبين لمناطقهم عن طريق نقل أصواتهم للدوائر التي تنتمي إليها عائلاتهم.
فمنطقة ضخمة كالقرين (يقطنها أكثر من مئة ألف كويتي وكان جزء منها دائرة انتخابية فحسب) هجر الكثير من سكانها مناطقهم وسجلوا أسماءهم في دوائر سكنى أصولهم. وهذا بالطبع فيه مساوئ لعل أبرزها أن نائب المنطقة لم يكن يمثل جميع سكانها وبالتالي لم يكن قادرا على تبنى همومهم وقضاياهم. وهو فضلاً عن ذلك تغيير في ثقل المجموعات المختلفة من الدوائر المهاجر منها إلى الدوائر التي تم نقل الأصوات إليها.
وكان من المتوقع أن تكون هناك ردة فعل من القلة لتطبيق القانون خاصة وأن البعض قد استفاد من الانتخابات الفرعية، بالذات الجماعات الدينية التي ركبت موجة القبلية للوصول إلى مصنع القرار وهو مجلس الأمة.
والحق أن الفرعيات لم تقتصر على انتخابات مجلس الأمة والمجلس البلدي، بل تعدتها إلى انتخابات الجمعيات التعاونية، وهي مؤسسات اقتصادية واجتماعية مهمة لا تلقى بالاً من الكثير من المهتمين بالشأن العام، وهي تمثل في واقع الأمر مصدراً للنفوذ و«الإثراء» للبعض، وهي فضلاً عن ذلك خطوة مهمة في طريق طويلة لا بد أن يخطوها الكثيرون للوصول إلى مجلس الأمة.
بيد أن العجيب في الأمر أن يكون بين هؤلاء القلة من رافضي تطبيق قانون تجريم الانتخابات الفرعية نواباً قاموا هم أنفسهم بسن هذا القانون في العام 1998!! والأدهى والأمر، أن يتزعم هؤلاء جمعاً ـ ولو قليلاً ـ من المواطنين للتظاهر بغية الإفراج بالقوة عن أولئك المحتجزين على ذمة التحقيق، الذين اتهمتهم الدولة بخرق القانون والمحتجزين في الإدارة العامة للمباحث الجنائية!!
فأي صنف من النواب يكون هؤلاء، وقد اقسموا بأغلظ الأيمان في بداية حياتهم النيابية أن يحترموا القانون ويكونوا رعاته والساهرين على حسن تطبيقه؟!! ولو كان هؤلاء في دولة ديمقراطية متطورة لكان فعلهم هذا كافياً لحرمانهم الأبدي من الترشيح لنيابة الأمة وتمثيلها والتشريع لها، لأن «فاقد الشيء لا يعطيه»!!
وقد لاقت إجراءات الدولة في محاربة الانتخابات الفرعية استحسان القوى السياسية التي كانت تنبه إلى خطورة ذلك مدة طويلة دون أن تلقى دعواتها آذاناً صاغية، وقد دعت تلك القوى الدولة إلى أن تقف ضد جميع أنواع الانتخابات سواء نظمت تحت يافطات قبلية أم طائفية أو غيرها. إن الأولى بهؤلاء المنخرطين في الانتخابات الفرعية، إن كانوا يريدون تمثيلاً حقيقياً الانتظام في تجمعات سياسية لها برامج وطنية تخدم الجميع.
إن معالم الانتخابات الحالية غير واضحة ونتائجها لا يمكن التكهن بها لأنها تجري لأول مرة على نظام الدوائر الخمس، حيث يختار الناخب أربعة من المرشحين فقط وليس خمسة، ثم في عملية الفرز يتم اختيار العشرة الذين فازوا بأعلى الأصوات. وعلى العموم، فإن الكويت تشهد تجربة جديدة تضاف إلى تجاربها السابقة، والمأمول أن تكون حصيلة تلك التجارب صقلاً لتجربتها الديمقراطية.
كاتب كويتي